يقال إن مواطنًا ضاق به الحال وتعثرت به سبل الحياة الكريمة، وأغلقت كافة أبواب الرزق أمامه وأصبح في حالة يرثى لها، صار محاطًا بكل ما هو يعرقله عن مجرد العيش بأبسط الوسائل. الغلاء يحاصره ويقتل فيه كل ما هو نابض قديمًا بالحياة، الحاجة تجعله ضائقًا مكتوف الأيدي، والجوع لم يعد يحاصره هو فقط ويقطع أمعاءه ولكن عائلته أيضًا.
كل ما يحصل عليه من عمله يذهب قبل أن يتسلمه، طابور طويل من الالتزامات والمصروفات يلتهم كل جنيه يقبضه، وللأسف الطابور لا ينتهي والمال لا يكفي والمعاناة تزداد والألم وصل إلى حد الصراخ. لم يستطع هذا المواطن التحمل أكثر من ذلك وصرخ في الشوارع وفي البلكونات والحارات والمداخل والمخارج وقال: "ملعون أبوكي حكومة بنت كلب".. ومن سوء حظه أن أحد المارين قام بتصويره ونشر صورته على مواقع التواصل الاجتماعي، والأمر تطور وأُلقي القبض عليه وأُدين في قضية سب وقذف الحكومة.
وعلى الفور قامت عائلته بالبحث عن محامي وتداينت من أجل أتعاب هذا المحامي الذي وعدهم ببراءة رجل عائلتهم ومصدر رزقهم الوحيد. وفي المحاكمة ظهر المحامي الهمام ووجه كلامه إلى هيئة القضاء قائلاً: "إن موكلي بريء من هذه التهمة؛ فهو سب حكومة ووصفها بابنة الكلب ولكنه لم يسمها باسمها، فربما قرأ خبرًا عما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين فوجه إليها هذا الكلام، وربما استفزه ما يقوم به الرئيس الأمريكي من تجاوزات وصمت حكومته على ما يفعله فقال عنها ما قال، وربما وربما وربما.. فلماذا يعاقب بمجرد قول لم يذكر المقصود منه بالفعل؟" وأنهى مرافعته ودفاعه بضرورة إخراج موكله وبراءته.
وقبل أن يتمم كلامه قال له القاضي بصوت أجش وبلهجة قاطعة مانعة: "مفيش داعي للف والدوران يا أستاذ، مفيش حكومة بنت كلب بتتشتم غيابيًا، وكمان موكلك طلع بيصرخ في كل حتة هنا مش في أمريكا ولا إسرائيل، يعني خلاصة صراخه إن مفيش حكومة بهذا الوصف إلا حكومتنا".
وحتى يصدر الحكم ويقول القاضي كلمته، فالكل انقسم بين مؤيد للمواطن الغلبان وبأنه قام بأضعف الإيمان وهو إصدار صرخة ألم من الغلاء وانعدام الأخلاق والغش والسرقة والرشوة والفساد بصفة عامة وسوء الإدارة بصفة أعم، فيما رأى آخرون أنه مخطئ كل الخطأ وأنه نظر إلى نصف الكوب الفارغ وتناسى النصف المليء بالأمن والسلام والهدوء والإحساس بالدولة التي تحميك من كل مخاطر الباغين والتي حافظت عليك حتى لا تصبح مثل أقرانك في الدول القريبة منك وأنت تعلم ما يجري وما جرى فيها.
الفريقان كل منهما له حجته ووسائله وثوابت قناعاته، ويبقى المواطن وعائلته يحاولون جاهدين قراءة مستقبلهم إذا لا قدر الله سُجن المواطن أو طالب الديانة العائلة بما استدانوه من أجل المحامي ومن أجل الحصول على لقمة العيش في أبشع صور للحصول عليها في زمن الغلاء والفقر والجهل.