في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الأمم، تصبح بعض الخيارات السياسية أقرب إلى الضرورات التاريخية منها إلى مجرد البدائل المتاحة، وتبدو المنطقة العربية اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة، حيث تتسارع التحولات الإقليمية والدولية بوتيرة غير مسبوقة، بينما تتنافس على فضائها الاستراتيجي مشروعات نفوذ وهيمنة متعددة، في ظل غياب مشروع عربي متكامل قادر على حماية المصالح العربية وصياغة مستقبل المنطقة من منظور عربي مستقل.
وقد جاءت مذكرة التفاهم الإطارية التي تم توقيعها مؤخرًا إلكترونيًا بين الولايات المتحدة وإيران، لتعيد إلى الواجهة تساؤلات قديمة ومتجددة حول موقع العرب في معادلات القوة الإقليمية. بعيدًا عن تفاصيل المذكرة وما قد تفضي إليه من ترتيبات أو تفاهمات لاحقة، فإن الدرس الأهم الذي ينبغي التوقف عنده والاستفادة منه: هو أن القوى الدولية والإقليمية الكبرى تتحرك دائمًا وفق حسابات مصالحها القومية، وتسعى إلى تأمين مواقعها الاستراتيجية عبر الحوار حينًا وعبر الصراع حينًا آخر، بينما يبقى الطرف الغائب في كثير من الأحيان هو الموقف العربي الموحد.
خلال العقود الماضية تشكلت في الشرق الأوسط مشروعات إقليمية متنافسة، لكل منها رؤيته وأدواته وأهدافه، وفي مقدمة هذه المشروعات يأتي المشروع الإسرائيلي الذي نجح، مستفيدًا من حالة الانقسام العربي المزمنة، في ترسيخ معادلة تفوق عسكري وتكنولوجي واستخباراتي جعلته لاعبًا مؤثرًا في كثير من الملفات الإقليمية، على الرغم من الاستهجان والرفض الإقليمي والدولي للممارسات الإسرائيلية. ولم يعد الهدف الإسرائيلي مقتصرًا على ضمان الأمن التقليدي لكيان دولة الاحتلال، بل امتد إلى السعي لتكريس وضع إقليمي يمنحها موقع القوة المركزية القادرة على التأثير في توازنات المنطقة السياسية والاقتصادية والأمنية.
وفي الجهة المقابلة، يواصل المشروع الإيراني توسعه مستندًا إلى شبكة واسعة من أدوات النفوذ السياسي والعسكري والأيديولوجي. فمنذ عقود تعمل طهران على بناء حضور إقليمي يتجاوز حدودها الجغرافية، مستفيدة من فراغات السلطة والأزمات التي شهدتها عدة دول عربية، وقد أدى ذلك إلى نشوء واقع إقليمي جديد أصبحت فيه بعض الساحات العربية مسرحًا مباشرًا أو غير مباشر لصراعات النفوذ بين القوى الإقليمية المختلفة.
وإذا كانت إسرائيل تسعى إلى فرض هيمنة قائمة على التفوق الاستراتيجي والتكنولوجي، بينما تعمل إيران على توسيع دوائر نفوذها عبر أدوات سياسية وأمنية متعددة، فإن النتيجة واحدة من منظور الأمن القومي العربي؛ وهي تراجع قدرة النظام العربي على إدارة شؤونه بنفسه، وازدياد اعتماد المنطقة على ترتيبات تصنع خارج الإرادة العربية.
من هنا تبرز حتمية المشروع العربي بوصفه استجابة استراتيجية لتحديات الواقع، وليس مجرد استدعاء لخطابات الماضي أو شعارات الوحدة التقليدية. فالمقصود بالمشروع العربي اليوم ليس بناء كيان فوق الدول الوطنية، وإنما تأسيس منظومة تعاون فعالة بين الدول العربية في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، بما يمكنها من حماية مصالحها الجماعية والتعامل مع المتغيرات الدولية من موقع الشريك لا التابع.
إن العالم يتجه بصورة متسارعة نحو تشكيل تكتلات إقليمية كبرى تقوم على المصالح المشتركة والقدرات الذاتية، وفي هذا السياق يصبح من الصعب تصور قدرة أي دولة عربية منفردة، مهما بلغت إمكاناتها، على مواجهة التحديات المتشابكة التي تشمل الأمن الغذائي والطاقة والأمن السيبراني والتهديدات العسكرية والصراعات الجيوسياسية. ولذلك فإن التكامل العربي لم يعد ترفًا سياسيًا، بل تحول إلى ضرورة وجودية تفرضها حقائق الجغرافيا والاقتصاد والأمن.
وفي قلب أي مشروع عربي جاد يبرز الدور المصري باعتباره عنصرًا رئيسيًا في معادلة الاستقرار الإقليمي، فمصر ليست فقط أكبر دولة عربية من حيث الثقل السكاني، بل تمثل أيضًا أحد أهم مراكز التوازن الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وقد أثبتت التجارب التاريخية أن استقرار النظام الإقليمي العربي كان دائمًا مرتبطًا بدرجة فاعلية الدور المصري وحضوره في القضايا العربية الكبرى.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم الطرح المصري الذي دعا منذ سنوات إلى إنشاء قوة عسكرية عربية مشتركة تكون قادرة على التعامل مع التهديدات التي تواجه الأمن القومي العربي، فعندما طرحت القاهرة هذه الفكرة لم يكن الهدف إنشاء تحالف هجومي أو الدخول في سباقات عسكرية، بل تأسيس "إطار عربي للردع الجماعي" يحول دون استباحة الأمن العربي من أي طرف إقليمي أو دولي.
ورغم أن الظروف السياسية التي أحاطت بالمنطقة خلال السنوات الماضية حالت دون ترجمة هذه الفكرة إلى واقع مؤسسي كامل، فإن التطورات الراهنة تبدو أكثر إقناعًا من أي وقت مضى بأهمية إعادة إحياء هذا الطرح، فالتحديات التي تواجه الدول العربية لم تعد محصورة داخل الحدود الوطنية، كما أن طبيعة التهديدات الجديدة تتطلب مستويات أعلى من التنسيق العسكري والاستخباراتي واللوجستي بين الدول العربية.
إن مفهوم الردع في العلاقات الدولية لا يقوم على إشعال الحروب، بل على منعها، والدول التي تمتلك القدرة على الدفاع عن مصالحها هي الأكثر قدرة على فرض السلام وحماية الاستقرار. ومن ثم فإن بناء منظومة دفاع عربي مشترك يمثل "رسالة استراتيجية" مفادها أن الأمن العربي ليس ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية أو التفاهمات الدولية التي تتم بمعزل عن المصالح العربية.
لقد أثبتت التجربة أن القوى الإقليمية لا تحترم سوى موازين القوة، وأن الفراغ الاستراتيجي سرعان ما تملؤه أطراف أخرى تمتلك مشروعًا واضحًا وأدوات فاعلة لتحقيقه، ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام العرب لا يتمثل في مواجهة المشروع الإسرائيلي أو المشروع الإيراني كل على حدة، وإنما في امتلاك "مشروع عربي" قادر على المنافسة والتأثير وصناعة التوازن.
إن مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الأخيرة، بغض النظر عن نتائجها النهائية، ينبغي أن تكون جرس إنذار جديدًا يدفع العرب إلى مراجعة أولوياتهم الاستراتيجية، فالمستقبل لا يصنعه انتظار ما يقرره الآخرون، وإنما تصنعه القدرة على امتلاك رؤية مستقلة وأدوات فعالة للدفاع عنها.
وفي نهاية المطاف، تبدو المعادلة واضحة أكثر من أي وقت مضى: فإما أن ينجح العرب في بناء مشروعهم الإقليمي القائم على التكامل والتنمية والردع المشترك، وإما أن تستمر المنطقة في الدوران داخل دوائر النفوذ المتنافسة التي ترسم مستقبلها وفق حسابات الآخرين. وبين هذين الخيارين، يظل المشروع العربي ليس مجرد حلم سياسي، بل ضرورة استراتيجية تفرضها حقائق الجغرافيا وموازين القوة ومتطلبات البقاء في عالم لا مكان فيه للفراغ.