حارب الجمود وأباح الطب..تعرف على حسن العطار المجدد الذي حملت دفعة الأوقاف اسمه
كان الإمام الشيخ حسن بن محمد بن محمود العطار، المكنى بأبي السعادات والمعروف بلقب "إمام المجددين"، واحداً من أبرز قادة الفكر والتنوير في تاريخ الأزهر الشريف ومصر الحديثة. وُلد العطار بالقاهرة عام 1766م لأب من أصل مغربي كان يعمل بائعاً للعطور، وبدأ مسيرته مساعداً لوالده قبل أن يقوده شغفه الشديد بالعلم إلى حلقات الأزهر الشريف سراً، حيث نبغ في دراسته وحفظ القرآن الكريم في وقت قصير وأتم تعليمه على يد كبار علماء عصره كالشيخ مرتضى الزبيدي ومحمد الأمير والصبان وعرفة الدسوقي، والأخير هو من وجه أنظاره مبكراً نحو العلوم العقلية كالفلك والهندسة ليتجاوز بذلك حدود المنهج التقليدي السائد.
وقد ساهمت التحولات التاريخية والرحلات المعرفية في تشكيل وعي الشيخ العطار الإصلاحي، فخلال الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م غادر في البداية إلى الصعيد، لكنه بعد عودته تعرف على علماء الحملة واطلع على علومهم وآلاتهم الهندسية والفلكية مدفوعاً بفضوله العلمي الكبير.
وعقب ذلك وبسبب تهيب بعض رجال الدين من علاقته بالفرنسيين، رحل الشيخ في مسيرة علمية استمرت من عام 1802م إلى عام 1815م شملت تركيا والشام وألبانيا، حيث درس خلالها الطب ومارسه وأتقن اللغتين التركية والألبانية وتزوج هناك، قبل أن يعود إلى مصر في عهد محمد علي باشا الذي أحاطه بالإجلال والتعظيم ليعود الشيخ إلى التدريس بالجامع الأزهر.
توجت مسيرة العطار العلمية بتوليه مشيخة الأزهر عام 1830م ليكون الشيخ السادس عشر في تاريخ الجامع الشريف حتى وفاته في الثاني والعشرين من مارس عام 1835م، وخلال هذه الفترة قاد ثورة فكرية ضد الجمود، منتقداً اكتفاء العلماء بقراءة الحواشي والمتون ودعاهم إلى الابتكار والعودة لأمهات الكتب والاجتهاد.
ولم يقتصر دوره على أروقة الأزهر، بل اختاره محمد علي باشا عام 1828م ليكون أول محرر لجريدة "الوقائع المصرية" نظراً لجمال أسلوبه وقدرته الأدبية الفائقة، كما كان المحرك الأساسي خلف إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا وتأسيس المدارس الفنية الحديثة كالطب والهندسة، مطلقاً مقولته الشهيرة بأن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها.
وخلال توليه المشيخة، تجلت شجاعته ونظرته التنويرية في موقفه التاريخي لدعم مدرسة الطب، فبعدما حاول أحد الطلاب طعن الطبيب الفرنسي كلوت بك تنديداً بتشريح الجثث باعتباره مخالفاً للدين، وقف الإمام العطار في امتحان المدرسة ليعلن بصوت حاسم رأي الدين في إباحة تعليم الطب والتشريح مشيداً بفائدته للإنسانية، مما شكل قوة دفع ونقطة انطلاق حاسمة للتعليم الطبي الحديث في مصر.
كما ترك الإمام أثراً بالغاً في جيل كامل من المصلحين تبلور بوضوح في تلميذه الأبرز رفاعة رافع الطهطاوي، الذي رشحه الشيخ لتلك البعثة وأوصاه بفتح عقله في باريس وتدون مشاهداته ومتابعة أحوال المعارف ومقايستها، وهو ما نتج عنه كتاب تخليص الإبريز، لينتقل هذا التأثير لاحقاً إلى علماء آخرين مثل محمد عياد الطنطاوي وصولاً إلى جيل الإمام محمد عبده.
تميز الإمام العطار بعقلية موسوعية فذة جمعت بين علوم الشريعة كالفقه وأصوله وبين الطب والفلك والكيمياء والرياضيات والجغرافيا والموسيقى، وكان أديباً وباحثاً مجيداً للشعر واللغات والإنشاء الأدبي وترك إرثاً ضخماً يتجاوز الثمانين كتاباً ورسالة تنوعت بين الشروح الفقهية والحواشي اللغوية.
وتقديراً لهذا التاريخ الحافل والدور الريادي في تجديد الخطاب الديني وصناعة الوعي، كرمت وزارة الأوقاف المصرية ذكرى الإمام بإطلاق اسمه على دفعة الأئمة والدعاة الجدد لخريجي الأكاديمية العسكرية المصرية، والتي شهد تخرجها الرئيس عبد الفتاح السيسي، لتظل سيرته حية كنموذج للعالم الأزهري الموسوعي والمستنير.


