لم تعد قمم الكبار في العالم مجرد طاولات مستديرة تجمع قادة الدول المؤثرة، ولا مجرد صور جماعية تلتقط أمام عدسات الكاميرات ثم تطوى صفحتها في نشرات الأخبار؛ هناك في تلك المساحات الضيقة التي تدار فيها ملفات العالم الثقيلة، تتشكل اتجاهات المستقبل، وتختبر قدرة الدول على أن تكون جزءًا من صياغة العالم لا مجرد متلقٍ لقراراته.
الحضور المصري في قمم الكبار يبدو مختلفًا في طبيعته ودلالاته، ولا تدخلها بوصفها ضيفًا على هامش النقاش، بل بوصفها طرفًا يعرف جيدًا أين تقف المنطقة من العالم، وأين يقف العالم من المنطقة. هذا الوعي تحديدًا هو ما يجعل الصوت المصري حاضرًا بثقل يتجاوز حجم التمثيل، وبأثر يتجاوز لحظة الاجتماع؛ لذلك من يتأمل موقع مصر اليوم في خريطة السياسة الدولية يدرك أن الأمر لم يعد مرتبطًا بردود فعل على أزمات متلاحقة، بل بقدرة واضحة على فهم مسار التحولات الكبرى التي يعاد بها تشكيل النظام الدولي، فلم يعد العالم يسمح بالمساحات الرمادية، ولكن إما أن تكون فاعلاً في هندسة التوازنات أو تصبح هامشيًا في نتائجها، ومصر اختارت أن تكون في المساحة الأولى، دون ضجيج، ولكن بثبات واضح.
إن الشرق الأوسط الذي تدور في داخله أزمات كثيرة لم يعد مجرد منطقة مضطربة، بل أصبح مركزًا حساسًا في بنية الأمن الدولي، وأي حديث عن الاستقرار العالمي لا يمكن أن يتجاهل الدور المصري، ليس فقط بسبب الجغرافيا، ولكن بسبب الخبرة السياسية الطويلة في التعامل مع الأزمات الممتدة، من الصراعات المسلحة إلى ملفات إعادة الإعمار، ومن الوساطات السياسية إلى إدارة التوازنات الدقيقة بين الأطراف المتناقضة.
ما يلفت النظر في المقاربة المصرية أنها لا تنجرف وراء لحظة الغضب الدولي، ولا تتعامل مع الأزمات بمنطق الانحياز السريع، بل بمنطق أبعد وأكثر هدوءًا وهو: كيف يمكن إيقاف الانفجار قبل أن يحدث؟ وكيف يمكن فتح نافذة للحل وسط جدار الصراع؟ هذا النوع من التفكير لا يصنع ضجيجًا إعلاميًا، لكنه يصنع أثرًا طويل المدى. وفي قمم الكبار، تظهر هذه الفلسفة بوضوح؛ القاهرة لا تذهب إلى هناك محملة بشعارات، بل برؤية تحاول أن تربط بين ما يحدث في الإقليم وما ينعكس على العالم، من الهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة، واستقرار سلاسل الإمداد، وإعادة إعمار مناطق الصراع… كلها ملفات تبدو متباعدة، لكنها في المنظور المصري حلقات في دائرة واحدة عنوانها الاستقرار.
ولعل ما يميز الدور المصري في السنوات الأخيرة أنه لم يعد قائمًا على فكرة “الموقع” فقط، بل على فكرة “المسؤولية”؛ وهناك إدراك بأن انهيار أي دولة في الإقليم لا يتوقف أثره عند حدودها، وأن الفوضى حين تبدأ لا تعترف بالخرائط؛ لهذا تتعامل القاهرة مع الأزمات باعتبارها ملفات أمن إقليمي ودولي في آن واحد، لا مجرد قضايا بعيدة.
وفي لحظة عالمية تتراجع فيها الثقة في المؤسسات الدولية، وتزداد فيها حدة الاستقطاب بين القوى الكبرى، تصبح الدول القادرة على التواصل مع الجميع دون أن تفقد توازنها الداخلي عنصرًا نادرًا ومطلوبًا، ومصر تلعب هذا الدور بهدوء، بعيدًا عن منطق الاستعراض، وبقرب شديد من منطق الفعل. والأهم من ذلك أن هذا الحضور لا يأتي من فراغ، بل من تجربة طويلة في التعامل مع التحولات القاسية التي مرت بها المنطقة؛ هذه التجربة صنعت نوعًا من الواقعية السياسية التي لا تنخدع بالشعارات، ولا تنساق وراء الحلول السهلة، بل تبحث دائمًا عن الممكن في قلب المستحيل.
لذلك، حين تجلس مصر على طاولة الكبار، فهي لا تحاول أن تثبت أنها موجودة، بل تشرح لماذا وجودها ضروري؛ هناك فرق كبير بين الأمرين: الأول يتعلق بالرغبة في الاعتراف، والثاني يتعلق بفرض الحاجة. وفي عالم تتغير فيه موازين القوة بوتيرة سريعة، يصبح هذا النوع من الحضور أكثر أهمية من أي وقت مضى؛ الدول التي تستطيع أن تفهم اللحظة الدولية دون أن تفقد جذورها الإقليمية، هي الدول التي تمنح في النهاية فرصة المشاركة في صياغة المستقبل.
إن مصر اليوم تتحرك في هذا المسار، ليس كاستثناء، بل كدولة اختارت أن تكون جزءًا من المعادلة لا هامشًا عليها، وفي قمم الكبار، لا يقاس الحضور بعدد الكلمات، بل بمدى تأثير الفكرة حين تطرح، وبقدرة الدولة على أن تبقي صوتها حاضرًا حتى بعد انتهاء الجلسة.