عاجل

«صوت العقل وسط ضجيج صراعات العالم» .. محمود بسيوني: "دور مصر لا يملؤه أحد"

الكلتب الصحفي محمود
الكلتب الصحفي محمود بسيوني

أكد الكاتب الصحفي رئيس تحرير أخبار اليوم محمود بسيوني في مقاله الأسبوعي أن تحركات مصر مؤخرًا تعد واحدة من أكثر المشاهد الإقليمية والدولية اضطرابًا وتعقيدًا منذ عقود، في بيئة تتبدل فيها المواقف والتحالفات بسرعة لافتة، وتحكمها حسابات المصالح أكثر مما تحكمها المبادئ أو الثوابت. 

وإلى نص المقال : " وبينما تتسع دوائر الصراع وتتشابك الأزمات، يبرز الشرق الأوسط كساحة مفتوحة لتنافس محموم بين مشاريع إقليمية متصارعة، تسعى كل منها إلى إعادة رسم خرائط النفوذ وفرض تصوراتها الخاصة لمستقبل المنطقة. فمن جانب، تتبنى إسرائيل مشروعًا توسعيًا يستند إلى التفوق العسكري والدعم الغربي غير المحدود، ومن جانب آخر تسعى إيران إلى توسيع نفوذها الإقليمي عبر تصدير نموذجها السياسي والأيديولوجي وتوظيف شبكات من الحلفاء والقوى المرتبطة بها في عدد من دول المنطقة.
وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة مواجهة واسعة لا يعرف أحد حدودها أو تداعياتها حتى مع توقيع الاتفاقات يظل الخطر قائما ، فالمشاريع الإقليمية المتنافسة لم تعد تخفي أهدافها أو أدواتها، بل أصبحت تلجأ بصورة متزايدة إلى القوة المسلحة وإدارة الصراعات بالوكالة لتحقيق مكاسبها الاستراتيجية. 
وبينما استندت إسرائيل إلى دعم أمريكي مباشر ومساندة واضحة من إدارة الرئيس دونالد ترامب، اعتمدت إيران على أذرعها الإقليمية الممتدة في أكثر من ساحة عربية لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها ، ومع تصاعد المخاطر واتساع احتمالات الانزلاق إلى حرب شاملة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة، برز الدور المصري مجددًا كصمام أمان إقليمي، يتحرك بثبات لإطفاء الحرائق ومنع الانفجار الكبير، انطلاقًا من إدراك راسخ بأن استقرار الشرق الأوسط ليس مصلحة عربية فحسب، بل ضرورة دولية تفرضها طبيعة اللحظة التاريخية التي تمر بها المنطقة.
ذلك هو قدر مصرودورها الذى لا يملؤه احد ، وربما كان أيضًا سر تأثيرها الممتد ،فهى ليست دولة تبحث عن دور، وإنما دولة يفرض عليها موقعها وتاريخها وثقلها أن تكون حاضرة فى قلب الأحداث كلما اضطرب الإقليم أو اختلت موازينه ، وهو ما جسده حضور ومشاركة مصر فى قمة السبع الكبار بفرنسا فالقاهرة تمثل نقطة الارتكاز فى حل الأزمات الكبرى، ومركز الثقل الذى تستند إليه المنطقة الان بعدما ضاقت الخيارات واتسعت دوائر الخطر. 
تحركت مصر خلال الأشهر الماضية على امتداد خريطة ملتهبة، من غزة إلى الخليج، محاولةً أن تطفئ الحرائق قبل أن تتحول إلى حريق إقليمى شامل، ولم يكن هذا التحرك وليد لحظة أو استجابة لحدث عابر، وإنما انطلاقًا من خبرة دولة عرفت عبر تاريخها الطويل أن الحروب تبدأ غالبًا بقرارات متعجلة وحسابات ضيقة، لكنها تنتهى دائمًا إلى أثمان يدفع الجميع فاتورتها الباهظة .
ما يلفت الانتباه فى إدارة مصر لهذه الملفات المعقدة خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، أنها تفضل التحرك فى صمت و لا تعتمد سياسة الضجيج أو استعراض الأدوار، بل تفضل العمل الدبلوماسى الهادئ الذى يقاس بنتائجه لا بعناوينه، تحركت القاهرة بين كل الأطراف المتصارعة حاملة البدائل الممكنة والحلول الواقعية، واستخدمت ما لديها من رصيد سياسى وعلاقات متوازنة للضغط فى اتجاه التسويات لا المواجهات، دون أن تتخلى عن ثوابتها أو تساوم عليها. 
وفى مقدمة هذه الثوابت يظل التمسك بالسلام ، ليس باعتباره هدنة مؤقتة أو خيارًا تكتيكيًا تفرضه الظروف، وإنما باعتباره قيمة استراتيجية تأسست عليها رؤية الدولة المصرية منذ عقود، ولهذا يدرك الجميع أن مصر حين تتحدث عن السلام فإنها لا تطرح نظرية سياسية، بل تستند إلى تجربة عملية طويلة أثبتت أن الاستقرار يمكن أن يصمد، وأن السلام ــ مهما بدا صعبًا ومكلفًا فى لحظته ــ يظل أقل كلفة بكثير من الحروب المفتوحة التى لا تترك خلفها سوى الخراب وعدم اليقين.
والحقيقة أن مصر لم تتعامل مع علاقاتها الدولية باعتبارها مجرد شبكة من المصالح المتبادلة، وإنما باعتبارها أدوات يمكن توظيفها لخدمة الاستقرار الإقليمي ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من الفوضى. ومن هذا المنطلق، أحسنت القاهرة استثمار علاقتها الاستراتيجية الممتدة مع الولايات المتحدة، وما يجمع الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس دونالد ترامب من قنوات تواصل مباشرة وتفاهمات سياسية، من أجل الدفع نحو التهدئة واحتواء الأزمات، لا تأجيجها أو توسيع نطاقها، وقد عزز هذا النهج مكانة مصر الدولية باعتبارها شريكًا رئيسيًا لواشنطن فى جهود دعم الأمن والاستقرار فى الشرق الأوسط، ودولة تمتلك القدرة على فتح أبواب الحوار فى اللحظات التى تبدو فيها كل الأبواب الأخرى مغلقة. ففى وقت ارتفعت فيه أصوات الحرب وتراجعت فيه مساحات التفاهم، ظلت القاهرة منحازة إلى منطق التسويات السياسية والحلول السلمية، إيمانًا منها بأن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق بالقوة وحدها، وإنما ببناء التوافقات وإدارة الخلافات بعيدًا عن منطق الصدام.
وجاء اللقاء الثنائى بين الرئيسين السيسى وترامب على هامش قمة السبع ليعكس هذا المستوى المتقدم من التنسيق والتفاهم بين البلدين ، فالعلاقات المصرية الأمريكية، التى امتدت لعقود طويلة وشهدت محطات عديدة من التعاون والتحديات، بدت فى هذا اللقاء أكثر قدرة على التفاعل مع التحولات التى يشهدها الإقليم. 
وقد حرص الرئيس السيسى على التأكيد على أهمية مواصلة تطوير الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن فى مختلف المجالات، انطلاقًا من إدراك مشترك لما تمثله هذه العلاقة من عنصر توازن واستقرار فى منطقة تعج بالأزمات. 
وفى المقابل، أظهر الرئيس ترامب تقديرًا واضحًا للدور المصرى ولطبيعة العلاقات التى تجمع البلدين، ولم يكن وصفه للرئيس السيسى بأنه "صديق مقرب" مجرد مجاملة دبلوماسية ، بقدر ما كان تعبيرًا عن مستوى من الثقة السياسية تشكل عبر سنوات من التنسيق والتشاور فى ملفات إقليمية ودولية معقدة ، فى اشارة بالغة الدلالة على ان الولايات المتحدة ترى ان مصر تمثل شريكًا لا غنى عنه فى أى جهد يستهدف تحقيق السلام وترسيخ الاستقرار فى الشرق الأوسط.
وربما كان ملف سد النهضة هو الملف الأكثر حساسية بين القضايا التى حضرت على مائدة الحوار بين الرئيسين، ليس فقط لأنه يتعلق بخلاف فنى أو نزاع حول إدارة مورد مائى، وإنما لأنه يرتبط مباشرة بمسألة الوجود المصرى ذاته، فالنيل بالنسبة لمصر شريان الحياة الذى قامت عليه الدولة وتشكلت على ضفافه الحضارة، ومن هنا جاء تأكيد الرئيس السيسى أن قضية النيل تمثل قضية أمن قومى من الدرجة الأولى، وأن الحفاظ على حقوق مصر المائية ليس مطلبًا سياسيًا وإنما ضرورة تفرضها حقائق التاريخ والجغرافيا معًا ،فبلد يعيش أكثر من تسعين فى المائة من سكانه على شريط ضيق حول النهر لا يملك رفاهية النظر إلى المياه باعتبارها مجرد بند فى جدول المفاوضات، وإنما باعتبارها قضية حياة ومستقبل.
وقد بدا واضحًا أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الأزمة من نفس الزاوية و تدرك حجم المخاوف المصرية وتتفهم طبيعة التحديات التى يفرضها السد على دولة تعتمد بشكل شبه كامل على مورد مائى واحد، وكان حديث الرئيس ترامب عن أن إثيوبيا لم تتعامل مع مصر بالقدر الكافى من العدالة، دليلا على ادراك امريكى الى ان التعنت الاثيوبى هو مكمن الازمة وسبب تصاعدها ، ولهذا اكتسب تعهده بإعطاء القضية أولوية خاصة دلالة تتجاوز حدود الملف ذاته، لتشير إلى تحول فى طريقة النظر الأمريكية إلى واحدة من أخطر أزمات الشرق الأوسط وأفريقيا.
ومن النيل إلى البحر، بدت الرؤية المصرية متماسكة فى ربط عناصر الأمن الإقليمى بعضها ببعض ،خاصة وان أمن الممرات البحرية اصبح جزءًا من أمن الاقتصاد العالمى، ولهذا حرص الرئيس السيسى على التأكيد أن حماية الملاحة الدولية فى البحر الأحمر وقناة السويس ليست مسؤولية مصر وحدها، وإنما مصلحة دولية مشتركة، فهذه الممرات لم تعد مجرد خطوط على خرائط الملاحة، وإنما شرايين تنبض من خلالها حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة وسلاسل الإمداد التى يرتبط بها اقتصاد العالم كله.
لم تتوقف المشاركة المصرية عند حدود اللقاء مع الرئيس الأمريكى، بل امتدت إلى سلسلة من اللقاءات مع كبار القادة الأوروبيين والدوليين، فى مشهد يعكس حجم الحضور المصرى على الساحة الدولية ، وان القاهرة أصبحت شريكًا حاضرًا فى صياغة كثير من النقاشات المرتبطة بمستقبل الاقتصاد العالمى وأمن الطاقة والتنمية والاستقرار الإقليمى، كما أتاحت القمة فرصة لتقديم صورة أكثر اكتمالًا عن التحولات الاقتصادية التى تشهدها مصر، وما توفره من فرص استثمارية فى قطاعات الطاقة والصناعة والبنية الأساسية.
ان ما جرى فى إيفيان عبر بلا شك عن ما تحظى به القاهرة من مكانه خاصة ودور محورى فى لحظة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، وانه رغم كل التغيرات فى موازين القوى ، تبقى القاهرة لاعبًا يصعب تجاوزه، ليس فقط بما تملكه من موقع وجغرافيا، وإنما بما تملكه من قدرة على بناء الجسور وإدارة التوازنات وطرح البدائل، وربما لهذا السبب ظل لمصر، وسط كل التحولات، دور لا يملؤه أحد.

تم نسخ الرابط