عاجل

كيف تحولت العدادات الكودية من استثناء مؤقت إلى واقع دائم؟.. نواب وخبراء يجيبون

عداد كودي
عداد كودي

ما كان يُفترض أن يكون حلًا استثنائيًا ومؤقتًا لمواجهة أوضاع غير مكتملة قانونيًا، تحول بمرور الوقت إلى واقع راسخ داخل منظومة الكهرباء في مصر، فالعدادات الكودية، التي طُرحت في الأساس كأداة لتقنين المخالفات وسرقة التيار، باتت اليوم جزءًا واسع الانتشار من المشهد الخدمي، يمتد ليشمل شرائح مختلفة من المواطنين، لا جميعها تنطبق عليها فكرة “الاستثناء”.

هذا التحول من المؤقت إلى الدائم لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بتعقيدات إدارية وبيروقراطية داخل منظومة الإدارة المحلية، وبطء إجراءات التصالح في مخالفات البناء، وصعوبات استخراج بعض المستندات الأساسية، ما دفع آلاف المواطنين إلى البقاء داخل هذا النظام لفترات طويلة، بدلًا من الانتقال إلى العدادات التقليدية.

في البداية قال النائب إبراهيم نظير، عضو لجنة الطاقة بمجلس النواب، إنه لا يؤيد الاعتماد على نظام العدادات الكودية باعتباره حلًا دائمًا، مشيرًا إلى أن التوسع في هذا النظام جاء في الأساس نتيجة وجود مشكلات وتعقيدات إدارية داخل منظومة الإدارة المحلية، حالت دون تمكن بعض المواطنين من استكمال الإجراءات المطلوبة للحصول على العدادات التقليدية.

استخراج نموذج 8

وأوضح نظير، في تصريحات خاصة أن هناك العديد من المواطنين المقيمين داخل الأحوزة العمرانية المعتمدة يواجهون صعوبات في استخراج نموذج (8) أو استكمال بعض الإجراءات الإدارية، رغم استيفائهم للشروط القانونية المطلوبة، وهو ما يدفعهم في النهاية إلى اللجوء لتركيب العدادات الكودية كبديل للعدادات التقليدية.

وأضاف أن المشكلة لا تكمن في المواطنين أنفسهم، وإنما في طول وتعقيد الدورة المستندية والإجراءات البيروقراطية التي تتطلبها بعض الجهات المحلية، الأمر الذي يؤدي إلى تأخير حصول المواطنين على الخدمات الأساسية، وعلى رأسها توصيل المرافق بشكل قانوني ومنتظم.

وأكد أن العدادات الكودية تمثل في كثير من الحالات حلاً اضطراريًا فرضته الظروف الإدارية القائمة، وليست الخيار الأمثل الذي يجب أن تعتمد عليه الدولة بصورة موسعة، مشددًا على ضرورة معالجة الأسباب التي أدت إلى انتشار هذا النظام بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه.

وانتقد النائب ما وصفه باستمرار التعقيدات الإدارية داخل بعض الوحدات المحلية، مشيرًا إلى أن الدولة قطعت شوطًا كبيرًا في ملف التحول الرقمي، إلا أن المواطن لا يزال في بعض الأحيان يواجه إجراءات طويلة ومتعددة للحصول على بعض الخدمات، وهو ما يتطلب مراجعة شاملة لمنظومة العمل المحلي.

ودعا إلى الإسراع في تطوير الإدارة المحلية وتحديث آليات العمل داخلها، من خلال التوسع في تطبيق الرقمنة بشكل فعلي، وتفعيل نظام الشباك الواحد بصورة حقيقية تتيح للمواطن إنهاء جميع إجراءاته من جهة واحدة دون الحاجة إلى التنقل بين عدة جهات حكومية.

تطبيق الشباك الواحد 

وأوضح أن تطبيق الشباك الواحد لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء شكلي أو عنوان إداري، وإنما يجب أن ينعكس بصورة مباشرة على تبسيط الإجراءات وتقليل الوقت والتكلفة على المواطنين، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات الحكومية وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

وأشار نظير إلى أن بعض المواطنين يتحملون أعباء مالية إضافية نتيجة التعقيدات الإدارية الحالية، حيث يضطرون إلى شراء وتركيب العدادات الكودية وتحمل تكاليفها رغم أنهم لم يحصلوا على الخدمة بالشكل الكامل أو النهائي الذي يتيح لهم الاستفادة من جميع المزايا المرتبطة بالعدادات التقليدية.

تحسين كفاءة الإدارة المحلية 

وأكد أن تحسين كفاءة الإدارة المحلية وتبسيط الإجراءات الحكومية يمثلان أحد أهم محاور الإصلاح الإداري، لافتًا إلى أن تسهيل حصول المواطنين على الخدمات الأساسية يجب أن يكون أولوية خلال المرحلة المقبلة، بما يحد من المعوقات البيروقراطية ويضمن حصول المواطنين على حقوقهم وخدماتهم بطريقة أكثر سرعة وكفاءة وعدالة.

واختتم النائب إبراهيم نظير تصريحاته بالتأكيد على أن معالجة ملف العدادات الكودية لا يجب أن تقتصر على الجوانب الفنية فقط، وإنما تتطلب معالجة جذور المشكلة المتمثلة في الإجراءات الإدارية المعقدة، وتطوير منظومة الإدارة المحلية بما يواكب توجهات الدولة نحو التحول الرقمي وتقديم خدمات حكومية أكثر كفاءة وسهولة للمواطنين.

من جانبه قال الدكتور حافظ سلماوي، رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك الأسبق، إن ما أُثير مؤخرًا بشأن إلغاء نظام الشرائح المتدرجة للعدادات الكودية والاكتفاء بالمحاسبة على أعلى شريحة ليس قرارًا جديدًا أو مستحدثًا، وإنما يعود إلى تعديل تعريفة الكهرباء الذي تم إقراره في أغسطس 2024، وتم تطبيقه بالفعل ضمن منظومة التسعير المعمول بها منذ ذلك الوقت.

بداية تطبيق نظام العدادات الكودية 

وأوضح سلماوي، في تصريحات خاصة، أن القرار يشمل العدادات الكودية التي تم تركيبها خلال الفترة الممتدة من عام 2011 وحتى عام 2024، مشيرًا إلى أن عام 2011 شهد بداية تطبيق نظام العدادات الكودية في مصر كأحد الحلول التي استهدفت مواجهة ظاهرة سرقة التيار الكهربائي وتقنين أوضاع بعض الوحدات غير المنتظمة.

وأضاف أن فهم القرار يتطلب النظر إلى الفلسفة التي استند إليها عند وضعه، موضحًا أن العدادات الكودية أُنشئت في الأساس للتعامل مع حالات تتعلق بمبانٍ أو وحدات لم تكن أوضاعها القانونية مكتملة، أو لتقنين استهلاك الكهرباء في حالات المخالفات المختلفة، وبالتالي فإن صانع القرار قد يرى أن هذه الفئة لا ينبغي أن تحصل على جميع المزايا التي يتمتع بها المشتركون الذين استوفوا الإجراءات القانونية منذ البداية.

وأشار إلى أن من بين هذه المزايا نظام الشرائح المتدرجة، الذي يتيح للمستهلكين الاستفادة من أسعار أقل للكهرباء عند مستويات الاستهلاك المحدودة، حيث يحصل المستهلك على جزء من استهلاكه بأسعار مدعومة أكثر مقارنة بالشرائح الأعلى، بينما في حالة العدادات الكودية يتم احتساب كامل الاستهلاك وفق سعر الشريحة الأعلى المقررة لهذه الفئة.

جميع شرائح الكهرباء الحالية لا تزال تتلقى دعمًا من الدولة 

وأكد سلماوي أن تطبيق المحاسبة وفق أعلى شريحة لا يعني بالضرورة غياب العدالة أو تحميل المستهلكين تكاليف غير مبررة، موضحًا أن احتساب الفاتورة يتم في جميع الأحوال وفق الاستهلاك الفعلي للكهرباء، وليس وفق تقديرات جزافية أو افتراضية.

وأضاف أن جميع شرائح الكهرباء الحالية لا تزال تتلقى دعمًا من الدولة بدرجات متفاوتة، بما في ذلك الشرائح الأعلى، إلا أن الهدف من تطبيق هذه الآلية هو الحد من زيادة الدعم الموجه إلى فئة تم تقنين أوضاعها بعد وجود مخالفة أو وضع غير قانوني في الأصل، وفق الرؤية التي استند إليها القرار.

وفي المقابل، طرح سلماوي وجهة نظر أخرى تتعلق بالآثار الاجتماعية والاقتصادية للقرار، مشيرًا إلى أن قطاعًا كبيرًا من مستخدمي العدادات الكودية ينتمي إلى الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، خاصة في المناطق العشوائية أو المناطق التي جرى تقنين أوضاعها خلال السنوات الأخيرة.

وأوضح أن تحميل هذه الفئات تكلفة أعلى للكهرباء قد يمثل عبئًا إضافيًا على موازناتها الأسرية، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الأعباء الاقتصادية التي تواجهها العديد من الأسر خلال الفترة الحالية.

وأشار إلى أن هناك تخوفًا من أن تؤدي زيادة تكلفة الكهرباء على بعض الفئات إلى نتائج غير مرغوبة، من بينها احتمال عودة بعض المواطنين إلى ممارسات غير قانونية مثل سرقة التيار الكهربائي، خاصة إذا شعروا بأن تكلفة الحصول على الخدمة أصبحت تفوق قدرتهم على السداد.

دراسات القدرة على الدفع

وأضاف أن هذه المسألة ترتبط بما يعرف اقتصاديًا بـ"دراسات القدرة على الدفع"، وهي الدراسات التي تقيس مدى قدرة المستهلكين على تحمل تكاليف الخدمات المختلفة، ومدى تأثير أي زيادات سعرية على سلوكهم الاستهلاكي وقدرتهم على الالتزام بالسداد.

وأكد أن التجارب الاقتصادية في بعض القطاعات تشير إلى أن رفع الأسعار لا يؤدي دائمًا إلى زيادة الإيرادات أو الحصيلة المالية، بل قد ينتج عنه أحيانًا نتائج عكسية إذا أدى إلى تراجع معدلات السداد أو زيادة معدلات التهرب أو الممارسات غير القانونية.

وقال سلماوي إن الحكم على مدى نجاح أو فشل السياسة الحالية لا يمكن أن يستند إلى التوقعات النظرية فقط، وإنما يجب أن يعتمد على نتائج التطبيق الفعلي على أرض الواقع، من خلال متابعة مجموعة من المؤشرات المهمة بعد تنفيذ القرار.

الانضباط المالي لمنظومة الكهرباء 

وأوضح أن من أبرز هذه المؤشرات معدلات سرقة التيار الكهربائي، وحجم التحصيل الفعلي للفواتير، ونسب الالتزام بالسداد، ومدى تأثر المستهلكين بالسياسة الجديدة، مشيرًا إلى أن تحليل هذه البيانات سيكشف ما إذا كان القرار قد حقق أهدافه المالية والتنظيمية أم أنه يحتاج إلى مراجعة أو تعديل.

وشدد رئيس جهاز تنظيم الكهرباء الأسبق على أهمية تحقيق التوازن بين الحفاظ على الانضباط المالي لمنظومة الكهرباء وضمان العدالة الاجتماعية للفئات الأقل قدرة على تحمل الأعباء الإضافية، مؤكدًا أن نجاح أي سياسة تسعيرية يعتمد في النهاية على قدرتها على تحقيق هذا التوازن دون الإضرار بمصالح الدولة أو المواطنين.

واختتم سلماوي تصريحاته بالتأكيد على أن التقييم النهائي للقرار يجب أن يكون قائمًا على البيانات والنتائج الفعلية التي ستظهر خلال الفترة المقبلة، وليس على الافتراضات المسبقة، وذلك لتحديد ما إذا كان تشديد آليات المحاسبة هو الخيار الأنسب، أم أن تخفيف الأعباء عن بعض الفئات سيكون أكثر فاعلية في تحقيق أهداف الدولة المتعلقة بزيادة التحصيل، وتقليل الفاقد، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في الوقت نفسه.

وقال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، إن العدادات الكودية لم تُستحدث كوسيلة لفرض أعباء مالية إضافية على المواطنين، وإنما أُقرت في الأساس كحل عملي لمواجهة ظاهرة سرقة التيار الكهربائي وتقنين استهلاك الكهرباء في الوحدات غير المقننة، بما يضمن محاسبة المستهلكين على استهلاكهم الفعلي للطاقة الكهربائية.

نظام محاسبة محدد وواضح

وأوضح عامر، في تصريحات خاصة، أن ملايين المواطنين يعتمدون على العدادات الكودية منذ سنوات طويلة، وأصبحوا معتادين على نظام محاسبة محدد وواضح، مشيرًا إلى أن حالة الجدل والغضب التي أثيرت مؤخرًا ترتبط بتطبيق سعر موحد للكهرباء يبلغ 214 قرشًا للكيلووات/ساعة على أصحاب هذه العدادات، وهو ما اعتبره كثير من المشتركين تغييرًا مفاجئًا في آلية المحاسبة التي اعتادوا عليها لفترات طويلة.

وأضاف أن المواطنين لم يعترضوا على مبدأ سداد قيمة استهلاك الكهرباء، وإنما على التغيير المفاجئ في أسلوب التسعير، خاصة أن العدادات الكودية كانت تؤدي دورها الأساسي في احتساب الاستهلاك الفعلي ومنع إهدار الكهرباء أو سرقة التيار، وهو الهدف الذي أُنشئت من أجله في الأصل.

نظام تسعير مختلف 

وأشار إلى أن المشرع عندما أصدر قانون التصالح في مخالفات البناء لم يكن يقصد، أن يمتد أثر القانون إلى فرض نظام تسعير مختلف لخدمات المرافق العامة على المواطنين المقيمين في العقارات المخالفة أو التي لم تستكمل إجراءات التقنين بعد.

وأكد عامر أن ربط تسعير الكهرباء بملف التصالح في مخالفات البناء يثير العديد من التساؤلات، لافتًا إلى أن التوسع في هذا التفسير قد يفتح الباب مستقبلاً أمام تطبيق تسعيرات مختلفة على خدمات أخرى مثل المياه أو الغاز الطبيعي للعقارات غير المقننة، وهو ما قد يخلق أوضاعًا تتعارض مع مبادئ العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين في الحصول على الخدمات الأساسية.

وأوضح الإدريسي أن معالجة الأزمة الحالية تتطلب حلولًا سريعة وعملية تراعي الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن الحل الأسرع يتمثل في وقف العمل بقرار تطبيق الشريحة الموحدة على العدادات الكودية، والعودة إلى نظام المحاسبة السابق الذي كان معمولًا به، إلى حين الانتهاء من معالجة الجذور الحقيقية للمشكلة.

إجراءات التصالح

وأضاف الخبير الاقتصادي أن القضية الأساسية لا تتعلق بالعدادات الكودية في حد ذاتها، وإنما ببطء إجراءات التصالح في مخالفات البناء وتقنين الأوضاع القانونية للعقارات، موضحًا أن الدولة تلقت ما يقرب من خمسة ملايين طلب تصالح منذ بدء تطبيق القانون، في حين لم يتم الانتهاء سوى من نحو 400 ألف طلب فقط، أي ما يعادل أقل من 10% من إجمالي الملفات المقدمة.

وأشار إلى أن استمرار وجود هذا العدد الضخم من الملفات قيد الفحص أو المراجعة بعد سنوات من فتح باب التصالح يمثل تحديًا حقيقيًا يتطلب تسريع الإجراءات الإدارية والفنية اللازمة للبت في الطلبات، بما يسمح للمواطنين بتقنين أوضاعهم بصورة نهائية والاستفادة من الخدمات بصورة مستقرة وواضحة.

تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية 

وأكد أن تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية بسبب تأخر إجراءات التصالح لا يمثل الحل الأمثل، خاصة أن جزءًا كبيرًا من المتقدمين بطلبات التصالح استجاب بالفعل لقرارات الدولة وسدد الرسوم والمستحقات المطلوبة وينتظر استكمال الإجراءات القانونية.

واختتم عامر تصريحاته بالتأكيد على أن الحل المستدام للأزمة يتمثل في الإسراع بإنهاء ملف التصالح في مخالفات البناء وتقنين الأوضاع القانونية للعقارات، بما يضمن استقرار العلاقة بين المواطنين وجهات المرافق، ويحقق العدالة في تطبيق التعريفة والخدمات، بدلاً من اللجوء إلى إجراءات استثنائية قد تفرض أعباء إضافية على المواطنين قبل حسم أوضاعهم بشكل نهائي.في سياق متصل 

تم نسخ الرابط