عمال الدليفري .. كيف يعمل قطاع بملايين دون قاعدة بيانات رسمية؟|خاص
تتسع في مصر قاعدة العاملين عبر التطبيقات الرقمية في خدمات التوصيل والنقل، لتشكل واحدة من أكثر الفئات نموًا داخل سوق العمل، لكنها في الوقت نفسه تظل ضمن منطقة رمادية بين الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، في ظل غياب إطار تنظيمي واضح يحدد حقوقهم وواجباتهم ويضمن لهم مظلة حماية اجتماعية متكاملة.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه نواب بالبرلمان أن هذه الفئة تمثل شريحة مؤثرة من الشباب الذين يعتمدون عليها كمصدر أساسي للدخل، تبرز إشكالية غياب قاعدة بيانات دقيقة وشاملة للعاملين في هذا القطاع، بما يحد من قدرة الدولة على حصر أعدادهم أو إدماجهم بشكل كامل في منظومات التأمين والحماية الاجتماعية.
وبينما تتجه مقترحات تشريعية إلى ضرورة تنظيم العلاقة بين عمال الدليفري والمنصات الرقمية التي يعملون من خلالها، وتوفير تغطية تأمينية ضد مخاطر الحوادث وفقدان الدخل، يشير خبراء اقتصاديون إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه الأنشطة لا يزال يعمل خارج الإطار الرسمي، رغم ارتباطه المباشر بشركات ومطاعم مرخصة داخل الاقتصاد المنظم.
قال النائب أمير الجزار، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، إن عمال الدليفري والسائقين العاملين عبر التطبيقات الرقمية أصبحوا يمثلون شريحة كبيرة ومؤثرة داخل سوق العمل المصري، الأمر الذي يستدعي سرعة وضع إطار تنظيمي واضح يضمن حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية ويوفر لهم مظلة حماية مناسبة.
لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات متكاملة
وأوضح الجزار أن هذه الفئة تضم أعدادًا كبيرة من الشباب الذين يعتمدون على هذا النوع من العمل كمصدر رئيسي للدخل، ورغم ذلك لا توجد حتى الآن قاعدة بيانات متكاملة تضم جميع العاملين في هذا القطاع، وهو ما يمثل تحديًا أمام جهود تنظيم أوضاعهم وتقديم الحماية اللازمة لهم.
وأضاف أن الخطوة الأولى يجب أن تتمثل في إنشاء قاعدة بيانات دقيقة وشاملة للعاملين في خدمات التوصيل والنقل عبر التطبيقات، بما يسمح بحصر أعدادهم الفعلية والتعرف على أوضاعهم المهنية والاجتماعية، تمهيدًا لإدماجهم ضمن منظومة الحماية الاجتماعية والتأمينات.
وأكد أن هذه الفئة بحاجة إلى نظام واضح ينظم العلاقة بينها وبين الشركات والمنصات التي تعمل من خلالها، إلى جانب توفير تغطية تأمينية مناسبة تحمي العاملين وأسرهم في حالات الإصابة أو الحوادث أو فقدان مصدر الدخل.
وأشار إلى أن القضية لم تشهد مناقشات موسعة داخل البرلمان حتى الآن، لكنها مطروحة بالفعل من خلال عدد من الطلبات والمقترحات المقدمة من النواب، بهدف فتح حوار تشريعي حول أفضل السبل لتنظيم هذا القطاع المتنامي.
تحركات برلمانية
وأوضح الجزار أن هناك تحركات برلمانية في هذا الملف، لافتًا إلى أن عددًا من النواب تقدموا بمقترحات تتعلق بتنظيم أوضاع عمال الدليفري والعاملين عبر المنصات الرقمية، ومن بينهم النائبة مها عبد الناصر التي تقدمت بمقترحات تتناول حقوق هذه الفئة وآليات توفير الحماية اللازمة لها.
وشدد على أن تنظيم أوضاع عمال الدليفري لا يهدف إلى فرض أعباء إضافية عليهم، وإنما إلى ضمان حصولهم على حقوقهم الأساسية، وتوفير مظلة تأمينية وقانونية تتناسب مع حجم الدور الذي يقومون به داخل الاقتصاد المصري، خاصة في ظل التوسع الكبير الذي يشهده قطاع خدمات التوصيل والتجارة الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة.
واختتم الجزار تصريحاته بالتأكيد على أن إدراج عمال الدليفري والسائقين العاملين عبر التطبيقات ضمن قواعد البيانات الرسمية ومنظومة التأمين والحماية الاجتماعية أصبح ضرورة ملحة، بما يضمن تحقيق التوازن بين دعم الاقتصاد الرقمي وحماية حقوق العاملين فيه.
قال الخبير الاقتصادي محمد أنيس إن جزءًا كبيرًا من نشاط عمال الدليفري والسائقين العاملين بشكل مستقل يندرج ضمن الاقتصاد غير الرسمي، رغم ارتباطه المباشر بأنشطة اقتصادية رسمية تمارسها شركات ومطاعم ومنصات مرخصة، وهو ما يجعل هذه الفئة واحدة من أبرز الأمثلة على ما يعرف بالاقتصاد غير الرسمي الملحق بالاقتصاد الرسمي.
الاقتصاد غير الرسمي
وأوضح أنيس في تصريحات خاصة، أن الاقتصاد غير الرسمي لا يقتصر فقط على الأنشطة العشوائية أو غير المنظمة، بل يشمل أيضًا أنشطة اقتصادية يتم تنفيذها خارج الأطر الرسمية للدولة، رغم ارتباطها بقطاعات وشركات تعمل بصورة قانونية ومنظمة.
وأضاف أن هناك العديد من الأنشطة التي تتم بالكامل دون وجود علاقة مباشرة أو تسجيل رسمي لدى الجهات الحكومية، ومن أبرزها بعض العاملين في خدمات التوصيل والنقل الذين يعملون لحسابهم الخاص أو من خلال ترتيبات غير رسمية، دون أن يكونوا مسجلين ضمن قواعد البيانات الرسمية أو مشمولين بمنظومة التأمينات الاجتماعية.
وأشار إلى أن عددًا كبيرًا من عمال الدليفري، على سبيل المثال، يعملون في توصيل الطلبات لصالح مطاعم أو منشآت تجارية مختلفة دون أن يكونوا موظفين رسميين لديها أو مؤمنًا عليهم، وهو ما يجعل النشاط الذي يمارسونه جزءًا من الاقتصاد غير الرسمي، رغم ارتباطه الوثيق بنشاط اقتصادي رسمي تمارسه تلك المنشآت.
حصر العمالة الفعلية داخل السوق
وأكد أن هذه الوضعية تخلق تحديًا أمام الدولة فيما يتعلق بحصر العمالة الفعلية داخل السوق وتوفير الحماية الاجتماعية والمهنية المناسبة لها، مشددًا على أهمية العمل خلال الفترة المقبلة على توفيق أوضاع هذه الفئات وإدماجها تدريجيًا داخل الاقتصاد الرسمي.
وأوضح أن من بين الأهداف الرئيسية لجهود دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي توفير الحماية للعاملين أنفسهم، من خلال إدراجهم في منظومة التأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي، وضمان حصولهم على الحقوق المرتبطة ببيئة العمل الآمنة والمستقرة.
وأضاف أن الدولة مطالبة بتسهيل الإجراءات اللازمة لتسجيل هذه الفئات وإدماجها في المنظومة الرسمية، بما يضمن عدم تحول الإجراءات الإدارية إلى عائق أمام انضمامهم للاقتصاد الرسمي، مؤكدًا أن تبسيط الإجراءات يعد عنصرًا أساسيًا في نجاح أي خطة لدمج العمالة غير الرسمية.
ضوابط مهنية وصحية
وأشار إلى أن تنظيم أوضاع العاملين في قطاع التوصيل والخدمات المرتبطة بالمطاعم والتجارة الإلكترونية يجب أن يتضمن أيضًا ضوابط مهنية وصحية تتناسب مع طبيعة النشاط الذي يقومون به، خاصة أن بعضهم يتعامل بشكل مباشر مع الأغذية والمنتجات الاستهلاكية.
وأوضح أن ذلك يستدعي إجراء الفحوصات الطبية والصحية اللازمة بصورة دورية، والتأكد من استيفاء العاملين للاشتراطات الصحية المطلوبة، بما يحافظ على سلامة المستهلكين ويرفع من مستوى جودة الخدمات المقدمة.
وأكد أن دمج هذه الفئات في الاقتصاد الرسمي لا يحقق فقط مصلحة الدولة من خلال توسيع قاعدة البيانات الاقتصادية وزيادة مستويات التنظيم، وإنما يحقق أيضًا مصلحة العاملين أنفسهم عبر توفير الحماية الاجتماعية والصحية والمهنية التي يحتاجون إليها.