سلماوي: نجاح سياسة العدادات الكودية مرهون بخفض الفاقد وزيادة التحصيل|خاص
قال الدكتور حافظ سلماوي، رئيس جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك الأسبق، إن ما أُثير مؤخرًا بشأن إلغاء نظام الشرائح المتدرجة للعدادات الكودية والاكتفاء بالمحاسبة على أعلى شريحة ليس قرارًا جديدًا أو مستحدثًا، وإنما يعود إلى تعديل تعريفة الكهرباء الذي تم إقراره في أغسطس 2024، وتم تطبيقه بالفعل ضمن منظومة التسعير المعمول بها منذ ذلك الوقت.
بداية تطبيق نظام العدادات الكودية
وأوضح سلماوي، في تصريحات خاصة، أن القرار يشمل العدادات الكودية التي تم تركيبها خلال الفترة الممتدة من عام 2011 وحتى عام 2024، مشيرًا إلى أن عام 2011 شهد بداية تطبيق نظام العدادات الكودية في مصر كأحد الحلول التي استهدفت مواجهة ظاهرة سرقة التيار الكهربائي وتقنين أوضاع بعض الوحدات غير المنتظمة.
وأضاف أن فهم القرار يتطلب النظر إلى الفلسفة التي استند إليها عند وضعه، موضحًا أن العدادات الكودية أُنشئت في الأساس للتعامل مع حالات تتعلق بمبانٍ أو وحدات لم تكن أوضاعها القانونية مكتملة، أو لتقنين استهلاك الكهرباء في حالات المخالفات المختلفة، وبالتالي فإن صانع القرار قد يرى أن هذه الفئة لا ينبغي أن تحصل على جميع المزايا التي يتمتع بها المشتركون الذين استوفوا الإجراءات القانونية منذ البداية.
وأشار إلى أن من بين هذه المزايا نظام الشرائح المتدرجة، الذي يتيح للمستهلكين الاستفادة من أسعار أقل للكهرباء عند مستويات الاستهلاك المحدودة، حيث يحصل المستهلك على جزء من استهلاكه بأسعار مدعومة أكثر مقارنة بالشرائح الأعلى، بينما في حالة العدادات الكودية يتم احتساب كامل الاستهلاك وفق سعر الشريحة الأعلى المقررة لهذه الفئة.
جميع شرائح الكهرباء الحالية لا تزال تتلقى دعمًا من الدولة
وأكد سلماوي أن تطبيق المحاسبة وفق أعلى شريحة لا يعني بالضرورة غياب العدالة أو تحميل المستهلكين تكاليف غير مبررة، موضحًا أن احتساب الفاتورة يتم في جميع الأحوال وفق الاستهلاك الفعلي للكهرباء، وليس وفق تقديرات جزافية أو افتراضية.
وأضاف أن جميع شرائح الكهرباء الحالية لا تزال تتلقى دعمًا من الدولة بدرجات متفاوتة، بما في ذلك الشرائح الأعلى، إلا أن الهدف من تطبيق هذه الآلية هو الحد من زيادة الدعم الموجه إلى فئة تم تقنين أوضاعها بعد وجود مخالفة أو وضع غير قانوني في الأصل، وفق الرؤية التي استند إليها القرار.
وفي المقابل، طرح سلماوي وجهة نظر أخرى تتعلق بالآثار الاجتماعية والاقتصادية للقرار، مشيرًا إلى أن قطاعًا كبيرًا من مستخدمي العدادات الكودية ينتمي إلى الفئات محدودة ومتوسطة الدخل، خاصة في المناطق العشوائية أو المناطق التي جرى تقنين أوضاعها خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن تحميل هذه الفئات تكلفة أعلى للكهرباء قد يمثل عبئًا إضافيًا على موازناتها الأسرية، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الأعباء الاقتصادية التي تواجهها العديد من الأسر خلال الفترة الحالية.
وأشار إلى أن هناك تخوفًا من أن تؤدي زيادة تكلفة الكهرباء على بعض الفئات إلى نتائج غير مرغوبة، من بينها احتمال عودة بعض المواطنين إلى ممارسات غير قانونية مثل سرقة التيار الكهربائي، خاصة إذا شعروا بأن تكلفة الحصول على الخدمة أصبحت تفوق قدرتهم على السداد.
دراسات القدرة على الدفع
وأضاف أن هذه المسألة ترتبط بما يعرف اقتصاديًا بـ"دراسات القدرة على الدفع"، وهي الدراسات التي تقيس مدى قدرة المستهلكين على تحمل تكاليف الخدمات المختلفة، ومدى تأثير أي زيادات سعرية على سلوكهم الاستهلاكي وقدرتهم على الالتزام بالسداد.
وأكد أن التجارب الاقتصادية في بعض القطاعات تشير إلى أن رفع الأسعار لا يؤدي دائمًا إلى زيادة الإيرادات أو الحصيلة المالية، بل قد ينتج عنه أحيانًا نتائج عكسية إذا أدى إلى تراجع معدلات السداد أو زيادة معدلات التهرب أو الممارسات غير القانونية.
وقال سلماوي إن الحكم على مدى نجاح أو فشل السياسة الحالية لا يمكن أن يستند إلى التوقعات النظرية فقط، وإنما يجب أن يعتمد على نتائج التطبيق الفعلي على أرض الواقع، من خلال متابعة مجموعة من المؤشرات المهمة بعد تنفيذ القرار.
الانضباط المالي لمنظومة الكهرباء
وأوضح أن من أبرز هذه المؤشرات معدلات سرقة التيار الكهربائي، وحجم التحصيل الفعلي للفواتير، ونسب الالتزام بالسداد، ومدى تأثر المستهلكين بالسياسة الجديدة، مشيرًا إلى أن تحليل هذه البيانات سيكشف ما إذا كان القرار قد حقق أهدافه المالية والتنظيمية أم أنه يحتاج إلى مراجعة أو تعديل.
وشدد رئيس جهاز تنظيم الكهرباء الأسبق على أهمية تحقيق التوازن بين الحفاظ على الانضباط المالي لمنظومة الكهرباء وضمان العدالة الاجتماعية للفئات الأقل قدرة على تحمل الأعباء الإضافية، مؤكدًا أن نجاح أي سياسة تسعيرية يعتمد في النهاية على قدرتها على تحقيق هذا التوازن دون الإضرار بمصالح الدولة أو المواطنين.
واختتم سلماوي تصريحاته بالتأكيد على أن التقييم النهائي للقرار يجب أن يكون قائمًا على البيانات والنتائج الفعلية التي ستظهر خلال الفترة المقبلة، وليس على الافتراضات المسبقة، وذلك لتحديد ما إذا كان تشديد آليات المحاسبة هو الخيار الأنسب، أم أن تخفيف الأعباء عن بعض الفئات سيكون أكثر فاعلية في تحقيق أهداف الدولة المتعلقة بزيادة التحصيل، وتقليل الفاقد، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في الوقت نفسه.