عاجل

إن الأسرة المستقرة تُنشئ إنسانًا متوازنًا في عواطفه وسلوكه، واثقًا بنفسه، قادرًا على تحمل المسؤولية، مستقيمًا في أخلاقه، بينما يؤدي اضطراب الأسرة وتفككها إلى آثار سلبية نفسية وتربوية واجتماعية عميقة قد تمتد إلى المجتمع بأسره.

ولذلك ربط القرآن الكريم بين الحياة الزوجية السليمة وبين السكن النفسي والطمأنينة، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَععلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾. فسمّى البيت سكنًا لما يمنحه من طمأنينة واستقرار؛ فالبيت في القرآن الكريم يعبر عن السكينة النفسية والاستقرار الإنساني، فضلاً عن الراحة البدنية.

يقول العلامة الطاهر بن عاشور: «جعل في ذلك التزاوج أُنسًا بين الزوجين، ولم يجعله تزاوجًا عنيفًا أو مهلكًا، وجعل بين كل زوجين مودة ومحبة، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين، فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وجعل بينهما رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما، فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة».

إن بناء الإنسان لا يتحقق بمجرد توفير الطعام والشراب أو الأمور المادية، وإنما يحتاج إلى بيئة أسرية يسودها الحب والوئام والرحمة والاحترام المتبادل، والتعاون على أعباء الحياة، حيث يتعلم الأبناء معاني الإيمان والانضباط والعطاء وتحمل المسؤولية. ولهذا كانت العناية باستقرار الأسرة من أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية؛ لأنها الطريق إلى بناء الفرد الصالح، والمجتمع المتماسك، والأمة القوية.

لقد جعل الإسلام مسؤولية التربية الإيمانية أمانة عظيمة في أعناق الآباء والأمهات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، وقال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «علِّموهم وأدِّبوهم». فالوقاية من النار تبدأ بالتربية والتعليم والتوجيه، ومن أعظم آثار استقرار الأسرة أنها تهيئ بيئة صالحة لغرس الإيمان في النفوس؛ فالطفل الذي ينشأ في بيت تُتلى فيه آيات القرآن، وتقام فيه الصلاة، وتُذكر فيه أسماء الله تعالى، ويتعامل أهله فيما بينهم بالرحمة والصدق والأمانة، يتشرب هذه المعاني دون تكلف، فتغدو جزءًا من تكوينه النفسي والسلوكي.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته…». فالمسؤولية أمانة، ولا تقتصر مهمة الأسرة على تعليم الأبناء الأحكام والعبادات، بل تتجاوز ذلك إلى بناء الرقابة الإيمانية في القلوب، حتى يعبد الأبناء ربهم عن قناعة ومحبة وتعظيم.

ولذلك كان لقمان الحكيم يبدأ وصاياه لابنه بتقرير أصل التوحيد قبل أي شيء آخر، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.

ومن دلائل عناية الإسلام بغرس القيم الإيمانية داخل الأسرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وجّه الآباء إلى تعويد أبنائهم على العبادة منذ الصغر، فقال: «مُروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين». ولم يكن المقصود مجرد الصلاة فحسب، بل تنشئتهم على الصلة الدائمة بربهم، حتى تصبح العبادة جزءًا من حياتهم وسلوكهم اليومي.

ولهذا كان صلاح الأسرة من أعظم أسباب صلاح المجتمعات، كما أن فسادها من أعظم أسباب انتشار الانحراف والاضطراب.

تم نسخ الرابط