عاجل

حين يقف العالم احترامًا لمنجزٍ عظيم، فإنه لا يصفق للحظ، ولا يكرم الصدفة، وإنما يحيي مارٱه من العمل والصبر والإتقان. فهذا الأداء المشرف الذي يقدمه فريقنا الوطني في بطولة كأس العالم الحالية لا يختلف عما يقدمه أبناء وطننا في مختلف الميادين التي نتشرف بها.
فهذا التقدير ما هو إلا ثمرة طبيعية لقيمة عظيمة دعا إليها الإسلام منذ قرون، وهي قيمة الاجتهاد في العمل وإحسانه.
ولكن وبكل أسف .. مع كل حدث رياضي كبير، تظهر بعض الأصوات التي تحاول ان تقلل من اي انجاز وطني .. وقد يلجا بعضهم ممن لا يجد اي سبيل لاقناع الناس بتقليل قيمة هذا النجاح إلي التدليس بين الناس بأن كرة القدم وغيرها من الأنشطة الرياضية هي مجرد لهو لا قيمة له، بل قد يذهب بعضهم إلى التحريم بإطلاق، وكأن هذه الرياضات لا تحقق أي مصلحة للفرد أو المجتمع. والحقيقة أن الشريعة الإسلامية لم تأتِ لمحاربة المباحات النافعة، وإنما جاءت لتنظيمها وتوجيهها، فالأصل في الأمور النافعة الإباحة ما لم تشتمل على محرم أو تؤدِّ إلى تضييع واجب.
ولقد عرف الإسلام قيمة القوة البدنية والنشاط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير». كما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وشجع على الرمي وركوب الخيل وإعداد القوة، مما يدل على أن الرياضة في أصلها ليست مذمومة، بل قد تكون مطلوبة إذا حققت مصالح معتبرة.
بل إن كرة القدم اليوم لم تعد مجرد اثنين وعشرين لاعبًا يطاردون كرة داخل ملعب، وإنما أصبحت صناعة عالمية ضخمة تدر المليارات، وتوفر فرص عمل لآلاف الشباب، وتحرك قطاعات التسويق والإعلام والسياحة والاستثمار. كما أصبحت إحدى أدوات القوة الناعمة التي تعكس صورة الدول أمام العالم، وتبرز قدرتها على التخطيط والتنظيم وصناعة النجاح.
ولهذا لم تعد البطولات الكبرى مجرد ألعاب رياضية القصة منها الله والترفيه فحسب، بل أصبحت مناسبات وطنية وإنسانية وثقافية يتجمع فيها أبناء الوطن الواحد للتدريب علي شحذ روح الوطنية والانتماء وتلتتقي فيها الثقافات وتتعارف الأمم وتتنافس في إبراز أفضل ما لديها من إمكانات وقدرات. ومن هنا نفهم سر الاهتمام العالمي الهائل بكأس العالم، الذي أصبح أكبر تجمع رياضي يتابعه مليارات البشر في مختلف أنحاء الأرض.
وفي هذه الأيام تتجه أنظار المصريين الوطنيين منهم إلى منتخبهم الوطني في كأس العالم 2026، حيث كانت خير بداية التي قدم المنتخب بداية مشرفة أعادت الثقة والأمل إلى الجماهير المصرية والعربية. 
ولسنا هنا بصدد الحديث عن نتائج أو توقعات، فذلك أمر تحكمه عوامل كثيرة، ولكننا نتحدث عن عوامل اخرى كثيرة ابسطها هذا المشهد الرائع الذي يراه جميع شعوب وثقافات العالم عندما يحرز اللاعب المصري الهدف ثم يتوجه ساجدا لله شكرا على النعمة في مشهد بسيط قد يكون له عظيم الاثر عند كثير من الناس لا سيما من الثقافات المختلفة غير العربية .. اضافه الى تلك المعاني العظيمة كقيمة العمل الجاد والاجتهاد والانضباط التي تظهرت في أداء اللاعبين، وهي قيم تستحق الإشادة والتقدير بلوه تستحق ان نبني عليها في المستقبل لاجيال واجيال.
ولعل ما يفرحنا كمصريين حقًا ليس مجرد الفوز، وإنما رؤية أبناء وطنهم وهم يقدمون صورة محترمة ومشرفة عن مصر أمام العالم اذا ما كان كل ذلك مغلفا باخلاق طيبة. فاللاعب الذي يجتهد ويتقن عمله داخل الملعب لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل وطنًا بأكمله، ويقدم رسالة حضارية تعكس ما لدى أبناء هذا الوطن من قدرة على اتقان العمل بشكل يحقق الندية و المنافسة والتميز.
وهو المعنى الذي تشير إليه الآية الكريمة: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. كما جاء في الحديث المشهور: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه». فالإتقان لا يقتصر على المسجد أو المنبر، بل يشمل المصنع والجامعة والمستشفى والملعب وكل ميدان من ميادين الحياة.
واخيرا اشير يجب ان يعلم الجميع خاصة شبابنا المصري والعربي والمسلم .. أن الأمم لا تبنى بالأماني ولا بالشعارات، وإنما تبنى بالعمل المتقن والجهد الصادق. وإذا كان لاعب الكرة مطالبًا بالإتقان في ملعبه، فإن الطبيب مطالب بالإتقان في مستشفاه، والمعلم في مدرسته، والعامل في مصنعه، والموظف في موقعه. فالجميع شركاء في صناعة صورة الوطن ورفع مكانته بين الأمم.

نسأل الله أن يوفق منتخب مصر إلى مواصلة أدائه المشرف في كأس العالم،وان يوفق كافه المنتخبات العربية الشقيقة في هذه البطولة وأن يجعل من هذه المشاركة مصدر إلهام للشباب في معاني الاجتهاد والانضباط والعمل الجماعي، وأن يدرك الجميع أن الإتقان قيمة إسلامية وحضارية عظيمة، بها تُرفع الأوطان وتُصنع الإنجازات وتُقدَّم الصورة المشرقة لديننا وأمتنا المصرية والعربية والاسلامية أيضا.

تم نسخ الرابط