عاجل

الدعم النقدي على طاولة الإصلاح… هل تكفي 300 جنيه لتأمين احتياجات المواطن؟|خاص

الدعم النقدي
الدعم النقدي

تتجه الأنظار داخل الأوساط الاقتصادية إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في مسار الإصلاح الاقتصادي، مع تصاعد الحديث عن التحول من منظومة الدعم العيني إلى الدعم النقدي، وسط تقديرات أولية تشير إلى أن قيمة الدعم قد تصل إلى نحو 300 جنيه للفرد، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول قدرة هذه القيمة على تلبية احتياجات المواطنين الأساسية في ظل موجات التضخم المتتالية.

قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن نجاح الحكومة في التحول من نظام الدعم العيني إلى الدعم النقدي لا يقاس بمجرد تطبيق المنظومة الجديدة، وإنما بمدى قدرة المواطن على تلبية احتياجاته الأساسية من السلع والخدمات بالمبلغ النقدي الذي سيحصل عليه، والذي يدور الحديث حول أن قيمته قد تصل إلى 300 جنيه للفرد.

قدرة المواطن على شراء السلع الأساسية 

وأوضح الشافعي في تصريحات خاصة لـ"نيوز رووم"، أن المعيار الحقيقي لنجاح التجربة يتمثل في قدرة المواطن على شراء السلع الأساسية التي كان يحصل عليها من خلال منظومة الدعم العيني بنفس الكفاءة أو بشكل أفضل، مشيرًا إلى أنه إذا تمكن المواطن من توفير احتياجاته الأساسية من خلال قيمة الدعم النقدي المقررة، فإن ذلك يعد نجاحًا كبيرًا للحكومة ولبرنامج إصلاح منظومة الدعم، أما إذا كانت القيمة النقدية غير كافية للحصول على السلع التي كان يستفيد منها سابقًا، فإن ذلك سيعني وجود خلل في المنظومة يستوجب المراجعة والتصحيح.

80 مليار جنيه سنويًا

وأضاف أن الدولة تسعى من خلال هذا التحول إلى تحقيق قدر أكبر من الكفاءة في إدارة الدعم، لافتًا إلى أن نظام الدعم العيني كان يمثل عبئًا ماليًا ضخمًا على الموازنة العامة للدولة، حيث كانت الحكومة تتحمل سنويًا تكلفة كبيرة لتوفير السلع الأساسية المدعمة مثل السكر والأرز والمكرونة وغيرها من السلع التموينية، وتراوحت هذه التكلفة بين 60 و80 مليار جنيه سنويًا.

وأشار إلى أن التحول إلى الدعم النقدي من شأنه أن يخفف جزءًا كبيرًا من هذه الأعباء المالية والإدارية، كما يمنح المواطن حرية أكبر في اختيار السلع التي يحتاج إليها وفق أولوياته وظروفه المعيشية، بدلاً من التقيد بقائمة محددة من السلع التي توفرها الدولة من خلال بطاقات التموين.

وأكد الشافعي أن من أبرز المزايا المتوقعة للدعم النقدي الحد من المشكلات التي ارتبطت بالدعم العيني على مدار السنوات الماضية، مثل تسرب الدعم لغير مستحقيه، وعمليات التهريب، وإعادة بيع بعض السلع المدعمة في السوق بأسعار أعلى، فضلًا عن تقليل التكاليف اللوجستية والإدارية المرتبطة بتخزين ونقل وتوزيع السلع التموينية.

وشدد على أن نجاح منظومة الدعم النقدي يتوقف بشكل أساسي على دقة قواعد البيانات المستخدمة في تحديد المستحقين، موضحًا أن الحكومة تمتلك حاليًا قواعد بيانات واسعة ومحدثة من خلال وزارتي التموين والتضامن الاجتماعي، بالإضافة إلى قواعد بيانات التأمينات الاجتماعية والجهات الحكومية المختلفة، وهو ما يساعد على توجيه الدعم للفئات الأكثر احتياجًا بصورة أكثر عدالة وكفاءة.

وأضاف أن عملية تحديد المستحقين لا تتم بصورة عشوائية، وإنما تعتمد على مجموعة من المعايير الاقتصادية والاجتماعية، تشمل مستويات الدخل، وحجم الإنفاق الأسري، والحالة الاجتماعية، وطبيعة العمل، ومستوى المعيشة، بما يضمن وصول الدعم إلى الفئات المستحقة بالفعل وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وجود آليات فعالة لضبط الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية

وفي الوقت نفسه، أكد الشافعي أن نجاح تجربة الدعم النقدي لا يرتبط فقط بقيمة المبلغ الممنوح أو بدقة تحديد المستحقين، وإنما يتطلب أيضًا وجود آليات فعالة لضبط الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية، مشيرًا إلى أن أي ارتفاعات غير مبررة في أسعار السلع الأساسية قد تؤدي إلى تآكل القيمة الحقيقية للدعم النقدي وتقليل استفادة المواطنين منه.

وأوضح أن الحكومة مطالبة بالتوازي مع تطبيق الدعم النقدي بتشديد الرقابة على الأسواق، ومتابعة حركة الأسعار بشكل مستمر، والتوسع في إنشاء البورصات السلعية، وتنظيم عمليات التداول والتوزيع، بما يضمن توافر السلع بكميات مناسبة وأسعار عادلة للمستهلكين.

وأشار إلى أن الرقابة الفعالة على الأسواق تمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح المنظومة الجديدة، لأن حصول المواطن على مبلغ نقدي دون وجود رقابة على الأسعار قد يؤدي إلى استفادة بعض التجار والوسطاء من زيادة السيولة المتاحة لدى المواطنين من خلال رفع الأسعار بصورة غير مبررة.

تنظيم الأسواق بشكل فعال ومنع الممارسات الاحتكارية 

وأضاف: "إذا لم تتمكن الحكومة من تنظيم الأسواق بشكل فعال ومنع الممارسات الاحتكارية وضبط أسعار السلع الأساسية، فإن الدعم النقدي قد يفقد جزءًا كبيرًا من تأثيره الإيجابي، وسيجد المواطن نفسه مضطرًا لدفع أسعار أعلى للحصول على احتياجاته اليومية، وهو ما قد يحد من الأهداف الاجتماعية والاقتصادية المرجوة من تطبيق هذه المنظومة".

واختتم الشافعي تصريحاته بالتأكيد على أن التحول إلى الدعم النقدي يعد خطوة إصلاحية مهمة يمكن أن تحقق فوائد كبيرة للدولة والمواطن على حد سواء، شريطة أن يتم تنفيذها وفق أسس دقيقة تشمل تحديد المستحقين بكفاءة، وتحديث قواعد البيانات بشكل مستمر، وضبط الأسواق، ومراجعة قيمة الدعم بصورة دورية بما يتناسب مع معدلات التضخم وتغيرات الأسعار، لضمان الحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين وتحقيق الحماية الاجتماعية المطلوبة للفئات الأكثر احتياجًا.

من جانبه قال الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، إن التحول من نظام الدعم العيني إلى الدعم النقدي أصبح خطوة ضرورية في إطار تطوير منظومة الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة الدعم في مصر، موضحًا أن الدولة تتجه تدريجيًا نحو تحرير أسعار السلع التموينية بشكل كامل، مع الإبقاء على الدعم في صورة نقدية موجهة للفئات الأكثر احتياجًا، بما يحقق كفاءة أكبر في توجيه الموارد ويضمن وصول الدعم إلى مستحقيه.

مفهوم تحرير أسعار السلع 

وأوضح عامر، في تصريحات خاصة لـ"نيوز رووم"، أن مفهوم تحرير أسعار السلع لا يعني ترك الأسواق دون ضوابط أو رفع الأسعار بصورة عشوائية، وإنما يعني أن يتم تسعير السلع وفق آليات السوق، مع منح المواطنين المستحقين للدعم مبالغ نقدية تساعدهم على شراء احتياجاتهم الأساسية، بما يعوض الفارق السعري ويحافظ على قدرتهم الشرائية.

وأضاف أن غالبية السلع التموينية أصبحت بالفعل قريبة من أسعار السوق الحرة، مشيرًا إلى أن الفروق السعرية بين السلع داخل المنافذ التموينية والأسواق التجارية ليست كبيرة كما كانت في السابق، موضحًا أن بعض السلع مثل الزيت لا يزيد الفارق السعري فيها بين التموين والسوق على نحو 5 إلى 10 جنيهات فقط، وهو ما يجعل الدعم النقدي وسيلة أكثر فاعلية من الدعم العيني في المرحلة الحالية.

وأكد أن الهدف الرئيسي من التحول إلى الدعم النقدي هو منح المواطن حرية أكبر في اختيار احتياجاته وفق أولوياته، بدلاً من الاقتصار على قائمة محددة من السلع، فضلًا عن تقليل التكاليف الإدارية واللوجستية المرتبطة بشراء السلع وتخزينها ونقلها وتوزيعها من خلال منظومة التموين التقليدية.

وأشار إلى أن تطبيق الدعم النقدي يتيح للحكومة مرونة أكبر في التعامل مع المتغيرات الاقتصادية، كما يسهل عملية مراجعة قيمة الدعم بشكل دوري وربطها بمعدلات التضخم والتغيرات التي تطرأ على أسعار السلع والخدمات في الأسواق.

معدلات التضخم التي يشعر بها المواطنون 

وأضاف أن معدلات التضخم التي يشعر بها المواطنون في حياتهم اليومية تختلف في كثير من الأحيان عن الأرقام الرسمية المعلنة، خاصة مع الزيادات التي شهدتها أسعار عدد من السلع الأساسية خلال الفترة الماضية، مثل الزيت والأرز والسكر والشاي وغيرها من المنتجات التي تمثل جزءًا رئيسيًا من إنفاق الأسر المصرية.

وأشار إلى أن ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تآكل جزء من القوة الشرائية للرواتب والمدخرات، وهو ما يستدعي استمرار جهود الحكومة لزيادة الأجور والمعاشات بشكل تدريجي لمساعدة المواطنين على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة.

وأكد أن الحكومة تعمل على تحسين مستويات الدخول بالتوازي مع إصلاح منظومة الدعم، كما تتابع مدى التزام مؤسسات القطاع الخاص بتطبيق الحد الأدنى للأجور وفقًا لقانون العمل، من خلال حملات التفتيش والرقابة التي تنفذها الجهات المختصة لضمان حماية حقوق العاملين.

وفيما يخص آليات استهداف المستحقين للدعم النقدي، أوضح عامر أن الحكومة تعتمد على قواعد بيانات ومؤشرات متعددة لتحديد الفئات الأكثر احتياجًا، تشمل مستوى الدخل، وملكية العقارات، وحجم استهلاك الكهرباء، والحالة الاجتماعية، وعدد أفراد الأسرة، ومدى التحاق الأبناء بالتعليم، فضلًا عن مجموعة من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الأخرى.

برامج الحماية الاجتماعية

وأضاف أن برامج الحماية الاجتماعية، وعلى رأسها برنامج "تكافل وكرامة"، تستهدف في المقام الأول الفئات الأكثر احتياجًا، مع التوسع التدريجي في أعداد المستفيدين وفق الإمكانيات المتاحة بالموازنة العامة للدولة، بما يضمن استدامة هذه البرامج وعدم تعرضها لضغوط مالية قد تؤثر على استمرارها مستقبلًا.

وأشار إلى أن الحكومة تستعين بفرق البحث الاجتماعي والجهات المختصة لمراجعة البيانات والتحقق من الأوضاع المعيشية للأسر المتقدمة للحصول على الدعم، بهدف ضمان وصول المساعدات إلى المستحقين الفعليين ومنع أي حالات استغلال أو حصول غير المستحقين على الدعم.

وأوضح أن التحول إلى الدعم النقدي سيسهم في خفض الأعباء التي تتحملها الموازنة العامة للدولة نتيجة إدارة منظومة الدعم العيني، خاصة أن السلع التموينية تمر بعدد من المراحل والوسطاء قبل وصولها إلى المستهلك النهائي، وهو ما يضيف تكاليف تشغيلية وإدارية كبيرة تتحملها الدولة.

تعدد حلقات التداول والنقل والتخزين 

وأضاف أن تعدد حلقات التداول والنقل والتخزين يؤدي في بعض الأحيان إلى تقليص القيمة الفعلية للدعم الذي يصل إلى المواطن مقارنة بما يتم تخصيصه في الموازنة العامة، بينما يتيح الدعم النقدي توجيه الموارد بصورة مباشرة وأكثر كفاءة إلى المستفيد النهائي.

وشدد على أن نظام الدعم النقدي يمثل فرصة لإعادة هيكلة منظومة التموين بالكامل وجعلها أكثر عدالة وشفافية وكفاءة، من خلال توجيه الموارد إلى الفئات الأكثر استحقاقًا، والحد من أوجه الهدر والتسرب التي قد تشهدها بعض صور الدعم السلعي.

واختتم عامر تصريحاته بالتأكيد على أن التحول إلى الدعم النقدي يأتي في إطار برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه الدولة، والذي يستهدف تحسين كفاءة الإنفاق العام، وخفض أعباء الدعم غير الموجه، وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجًا، بما يحقق التوازن بين البعد الاجتماعي ومتطلبات الاستدامة المالية للموازنة العامة.

تم نسخ الرابط