عاجل

بين تثبيت الفيدرالي وضغوط الداخل… إلى أين تتجه بوصلة البنك المركزي المصري؟

البنك المركزي المصري
البنك المركزي المصري

في وقتٍ اختار فيه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، تعود التساؤلات لتتصدر المشهد النقدي في مصر حول المسار الذي قد يتبناه البنك المركزي خلال اجتماعه المرتقب، وسط تداخل معقد بين إشارات خارجية متحفظة ومعطيات داخلية لا تزال تتسم بالحذر وعدم اليقين.

في البداية قال الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، إن استقرار معدل التضخم الأساسي خلال الفترة الأخيرة يعد مؤشرًا إيجابيًا يعكس نجاح السياسات النقدية التي اتبعها البنك المركزي المصري في احتواء الضغوط التضخمية، إلا أن هذا التطور وحده لا يمثل حتى الآن مبررًا كافيًا لاتخاذ قرار جديد بخفض أسعار الفائدة خلال الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية.

وأضاف أن البنك المركزي لا يبني قراراته على قرار البنك المركزي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة فقط، وإنما يعتمد على حزمة متكاملة من المؤشرات الاقتصادية والمالية التي تعكس الوضع الاقتصادي بشكل شامل، موضحًا أن المرحلة الحالية تتطلب قدرًا كبيرًا من الحذر في إدارة السياسة النقدية، خاصة في ظل استمرار التحديات الخارجية التي قد تؤثر على مسار التضخم خلال الفترة المقبلة.

التطورات الاقتصادية العالمية 

وأشار إلى أن التطورات الاقتصادية العالمية ما زالت تحمل العديد من عوامل عدم اليقين، سواء فيما يتعلق بمستقبل أسعار الفائدة العالمية أو حركة التجارة الدولية أو معدلات النمو في الاقتصادات الكبرى، وهو ما يدفع البنوك المركزية حول العالم إلى تبني سياسات أكثر تحفظًا عند اتخاذ القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة.

وأوضح أن من بين العوامل المهمة التي يراقبها البنك المركزي المصري عن كثب تطورات أسعار الطاقة عالميًا، خاصة أن أي ارتفاعات جديدة في أسعار النفط أو الغاز قد تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على تكاليف الإنتاج والنقل، ومن ثم على مستويات الأسعار المحلية ومعدلات التضخم.

الأوضاع الجيوسياسية 

وأضاف أن الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة تمثل أيضًا أحد العوامل المؤثرة في حسابات السياسة النقدية، حيث إن أي تصعيد أو توترات جديدة قد تؤثر على حركة التجارة وسلاسل الإمداد وتدفقات الاستثمار الأجنبي وأسعار السلع الأساسية، وهو ما يستدعي التريث قبل اتخاذ قرارات إضافية تتعلق بتخفيف السياسة النقدية.

السيناريو الأقرب 

وأكد أن السيناريو الأقرب خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل يتمثل في الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، وذلك لإتاحة المزيد من الوقت أمام البنك المركزي لتقييم أثر القرارات السابقة الخاصة بخفض الفائدة، ومتابعة تطورات التضخم خلال الأشهر المقبلة للتأكد من استدامة الاتجاه النزولي للأسعار.

وأشار إلى أن البنك المركزي المصري يركز عند اتخاذ قراراته على عدد من المؤشرات الرئيسية، يأتي في مقدمتها تطورات معدلات التضخم العام والأساسي باعتبارهما المعيار الأهم لقياس الضغوط السعرية داخل الاقتصاد، إلى جانب متابعة حركة أسعار السلع الأساسية والطاقة في الأسواق العالمية ومدى انعكاسها على السوق المحلية.

وأضاف أن استقرار سوق الصرف يمثل أحد العناصر المهمة في عملية صنع القرار، حيث يحرص البنك المركزي على الحفاظ على استقرار الأوضاع النقدية والحد من أي ضغوط قد تؤثر على قيمة العملة المحلية أو تؤدي إلى موجات تضخمية جديدة.

قال الدكتور محمد بدرة، الخبير المصرفي، إنه يرجح اتجاه البنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة حتى نهاية العام الحالي، مشيرًا إلى أن هذا التوجه لا يرتبط بشكل مباشر بقرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه الأخير، وإنما يستند بالأساس إلى مجموعة من العوامل الداخلية المرتبطة بأوضاع السوق المصرية والسياسة النقدية الحالية.

مستويات الفائدة 

وأوضح بدرة أن مستويات الفائدة التي رفعتها البنوك المصرية طوعًا على الأوعية الادخارية المختلفة ما زالت عند مستويات مرتفعة، وهو ما يسهم بشكل فعال في احتواء معدلات نمو الائتمان والحد من الضغوط الناجمة عن زيادة الطلب، الأمر الذي يساعد في دعم جهود السيطرة على التضخم وتحقيق الاستقرار النقدي.

وأضاف أن استمرار البنوك في تقديم عوائد مرتفعة على أدوات الادخار يجعل تأثير السياسة النقدية الانكماشية قائمًا داخل السوق، حتى مع توقف البنك المركزي عن إجراء أي زيادات جديدة في أسعار الفائدة، وهو ما يمنح صناع السياسة النقدية مساحة أكبر للتريث قبل التفكير في أي تخفيضات جديدة.

وأشار إلى أن تكلفة الاقتراض الحكومي ما زالت مرتفعة، وهو ما يدفع إلى ضرورة الحفاظ على مستويات الفائدة الحالية لفترة أطول لضمان استقرار سوق أدوات الدين الحكومية واستمرار جاذبيتها للمستثمرين المحليين والأجانب، خاصة في ظل المنافسة القائمة بين الأسواق الناشئة على جذب التدفقات الاستثمارية.

مرونة سعر الصرف 

وأكد أن مرونة سعر الصرف التي يتبناها البنك المركزي خلال الفترة الأخيرة تمثل أحد أهم عوامل الاستقرار الاقتصادي، حيث ساهمت في تعزيز قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية وتحسين تدفقات النقد الأجنبي، وهو ما انعكس إيجابًا على توافر العملة الأجنبية داخل الجهاز المصرفي.

وأوضح أن استمرار الفائدة المرتفعة على الديون الحكومية، إلى جانب مرونة سعر الصرف، سيدعمان استقرار السيولة بالعملة الأجنبية خلال الفترة المقبلة، كما يعززان ثقة المستثمرين في السوق المصرية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الخارجية.

واختتم بدرة تصريحاته بالتأكيد على أن المؤشرات الحالية لا تدعم التسرع في خفض أسعار الفائدة، مرجحًا أن يفضل البنك المركزي الإبقاء على أسعار العائد عند مستوياتها الحالية حتى نهاية العام، مع متابعة تطورات التضخم وسعر الصرف وتدفقات الاستثمار الأجنبي قبل اتخاذ أي قرارات جديدة بشأن السياسة النقدية.

 

تم نسخ الرابط