عاجل

الـ “كولينج بريك يثير الجدل في كأس العالم.. جنة المدربين واحتجاجات للاعبين

الكولينج بريك
الكولينج بريك

في عالم الساحرة المستديرة، جرت العادة أن تلعب مباريات كرة القدم على مدار 90 دقيقة مقسمة إلى شوطين، لكن يبدو أن "الأمركة" قد انتصرت في النهاية في كأس العالم وتحولت المباراة إلى أربعة أشواط، حيث دفع التغير المناخي والطقس القاسي في الولايات المتحدة الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) إلى إقرار تعديل دستوري في قوانين اللعبة؛ حيث استحدث "استراحات شرب إلزامية" (Cooling Breaks) تُطبق بدقة حازمة: الأولى في الدقيقة 22، والثانية في الدقيقة 67.

 ظاهرياً، يبدو التعديل لفتة إنسانية لحماية اللاعبين الظامئين تحت لهيب حرارة "كانساس سيتي" على سبيل المثال. لكن تحت عشب الملاعب المونديالية، تصدح أصوات تصدعات قوية تشير إلى زحزحة صفائح تكتونية في بنية رياضة طالما اتسمت بالمحافظة الشديدة التي تشبه صرامة الكنيسة الكاثوليكية.

قانون أعمى.. حتى تحت السقوف المكيفة!

الخروج عن المألوف في مونديال 2026 لم يترك مساحة للاجتهاد، فبينما كانت هذه الاستراحات سابقاً تخضع كلياً لتقدير الحكم وبناءً على قياسات درجات الحرارة والرطوبة في الملعب، تحولت اليوم إلى التزام شامل وفرض إجباري، والمفارقة الصارخة تكمن في تطبيق هذا القانون بحذافيره حتى داخل الملاعب المغلقة والمكيفة بالكامل، مثل استادات "دالاس" و"هيوستن".

وفي هذا السياق، حسم  مدير البطولة في فيفا، الجدل قائلاً:"في كل مباراة، وبأي مكان، وبغض النظر عن وجود سقف أو درجة الحرارة، ستكون هناك استراحة شرب مدتها 3 دقائق كاملة من الصافرة إلى الصافرة في كلا الشوطين".

هذا التحول القسري إلى نظام "الأرباع الأربعة" أشعل على الفور فتيل الشكوك: هل تبيع كرة القدم التقليدية روحها للموديل الاقتصادي الرياضي الأمريكي؟ يقود النقاد في بريطانيا هجوماً عنيفاً، مؤكدين أن التذرع بصحة اللاعبين ليس سوى "ستار دخاني" لتمرير الإعلانات التجارية الحية على الشاشات، على غرار دوري كرة القدم الأمريكية (NFL).

الإعلانات تفسد متعة "أزتيكا"

السيناريو المتوقع سرعان ما تحول إلى واقع محبط منذ صافرة البداية في مباراة الافتتاح باستاد "أزتيكا" بين المكسيك وجنوب إفريقيا. شبكة "FOX Sports" الأمريكية، صاحبة حقوق البث، انتقلت فوراً إلى فاصل إعلاني بمجرد إطلاق الحكم صافرة الاستراحة، لكن ساعة كرة القدم لا تنتظر المعلنين؛ فبسبب خلل فني، عادت الشبكة إلى البث المتلفز متأخرة بـ 15 ثانية، ليفوت على المشاهدين الهجمة الأولى لمنتخب جنوب إفريقيا بعد استئناف اللعب.

انفجرت وسائل التواصل الاجتماعي غضباً، ووصف المشجعون ما حدث بأنه "فوضى عارمة" واعتداء سافر على نقاء اللعبة ونزاهتها. ورغم أن الشبكة قدمت تفسيراً تقنياً واعتذاراً لـ "فيفا"، إلا أن ذلك لم يهدئ من روع النقاد.

حتى اللاعبون لم يخفوا تذمرهم؛ إذ صرح قائد المنتخب الهولندي، فيرجيل فان دايك، عقب مباراة منتخب بلاده في دالاس المكيفة باحتجاج واضح:"قطع رتم المباراة للذهاب إلى الفواصل الإعلانية ليس أمراً محبباً لي، ولا بالنسبة للمشاهدين في المنازل، إذا كان الطقس حاراً حقاً، فهذا مبرر، لكن برأيي يجب تقييم كل مباراة على حدة"، ثم صمت لبرهة وأضاف: "يبدو أنني قلت ما فيه الكفاية".

مناجم ذهب للمدربين: وقت مستقطع لقلب الموازين

على الجانب الآخر من المشهد، وبينما يسخط الجمهور وتتحفظ النجوم على قتْع تدفق اللعب، يرى المدربون في هذه الدقائق الثلاث "منجم ذهب" تكتيكي (وقت مستقطع) يتيح لهم كسر زخم الخصم، وإعادة ترتيب الأوراق وتغيير التشكيلات في توقيت حرج. فبعد أن كان المدرب يملك 15 دقيقة فقط بين الشوطين للتأثير، منحهم مونديال 2026 ست دقائق إضافية من التوجيه المباشر.

وكان مدرب فرنسا، ديدييه ديشان، من أوائل المرحبين بهذا التحول التاريخي:"استراحات الشرب هذه تسمح لك بجلب اللاعبين بالقرب منك وتصحيح الأخطاء بناءً على الـ 20 دقيقة الأولى، والمباراة لم تعد مقسمة إلى شوطين، بل أصبحت أربعة أشواط الآن".

ولم يكن ديشان وحده؛ فقد اعترف الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، مدرب البرازيل، أن هذه الاستراحة غيرت مجرى المباراة تماماً ضد المغرب، حيث نجح فينيسيوس جونيور في تسجيل هدف التعادل بعد 6 دقائق فقط من العودة للعب، بفضل التعديلات التكتيكية التي أُمليت عليه في "البريك".

بدوره، تعامل مدرب بلجيكا، رودي جارسيا، ببراغماتية مع الواقع الجديد صراحة:"بالنسبة لي، هذا وقت مستقطع تكتيكي أكثر من كونه استراحة شرب، قد يقطع الزخم إذا كنا في وضع جيد، لكن خلال المباراتين الوديتين اللتين خضناهما، كان أداة ممتازة لتمرير تعليمات تكتيكية سريعة للفريق".

 

قد يكون مونديال 2026 يحاول صدقاً حماية اللاعبين من الطقس القاسي في أمريكا الشمالية، لكنه في الطريق إلى ذلك قد يغير الحمض النووي (DNA) للعبة الأكثر شعبية في العالم، لأكثر من قرن، فاخرت كرة القدم بأنها لعبة "لا تتوقف"، بعكس الرياضات الأمريكية. اليوم، فرض المونديال على اللعبة أن تأخذ نفساً قسرياً، وفي غضون ست دقائق من المياه، تسللت التكتيكات، التلفزيون، أموال الإعلانات، والثقافة الأمريكية.. والآن، يبدو أنه من المستحيل إغلاق الصنبور مجدداً.

تم نسخ الرابط