كنز غارق يبحث عن أصحابه.. من ورثة كريستال السفينة الإسبانية أوريفلام
في عام 1770، ابتلعت أمواج المحيط الهادي العاتية قبالة سواحل تشيلي واحدة من أغرب السفن في التاريخ البحري الإسباني؛ السفينة "أوريفلام" (Oriflame)، ولم يكن غرقها مجرد حادثة عابرة، بل تحولت إلى "سفينة أشباح" تطارد الحاضر بكنوزها المفقودة.
وأوضحت صحيفة “الباييس” الإسبانية، أنه كانت السفينة محملة بـ 1,478 صندوقاً من أفخر أنواع الكريستال المصنوع في مصنع "لا غرانخا" الملكي بسجوبيا، بالإضافة إلى الجواهر والتحف الثمينة المتجهة إلى البيرو، ومات جميع من كان على متنها بسبب مرض الإسقربوط وجرفتها العواصف إلى الأعماق، لتبدأ منذ ذلك الحين معركة قضائية وتاريخية لم تنتهِ فصولها بعد: لمن يعود هذا الكنز الثمين اليوم؟

دراسة حديثة للمؤرخ باسينتي رويث غارسيا، الخبير في التاريخ والتراث البحري، فتحت عش الدبابير مجدداً، لتبحث في هوية الأطراف التي يمكنها قانوناً ومطالبة بملكية الكنز. هل يعود الكنز إلى الدولة الإسبانية، أم إلى مئات الورثة المحتملين؟ وتحديداً: هل يذهب الكنز إلى وريث بيروفي أم كاتالوني؟
الصراع بين التاج الإسباني والملكية الخاصة
وفقاً لاتفاقية اليونسكو (المادة 32)، فإن السفن الحربية الغارقة تظل ملكاً للدول مهما طال الزمن، بينما لا ينطبق ذلك على السفن التجارية. وهنا تكمن العقدة؛ "أوريغلام" بدأت حياتها كسفينة حربية فرنسية، ثم استولى عليها الإنجليز، قبل أن يشتريها تجار إسبان ويحولوها إلى سفينة تجارية.

ومع ذلك، يرى الخبير رويث غارسيا أن السفينة كانت في رحلتها الأخيرة تنفذ "مهمة دولة" لحساب التاج الإسباني في عهد الملك كارلوس الثالث لنقل الكريستال الملكي، مما يمنح الدولة الإسبانية الحق الشرعي في المطالبة بها، لكن إسبانيا غابت عن المعارك القضائية في تشيلي عام 2005 ضد شركات صيد الكنوز، لأن السفينة لم تكن مسجلة كسفينة حربية برتبة حصانة سيادية.
مئات الورثة... وإبرة في كومة قش
إذا تم إسقاط فرضية "مهمة الدولة" وجرى التعامل مع الحمولة بناءً على القانون الأنجلوسكسوني الذي يفصل بين ملكية هيكل السفينة وملكية الشحنة، فإن الحق يؤول هنا إلى ورثة التجار والركاب.

تكشف وثائق "أرشيف جزر الهند العام" في إشبيلية أن الشحنة كانت تضم 1,658 صندوقاً من البضائع المملوكة لمئات الأشخاص عبر 436 سجلاً تجارياً منفصلاً، إن محاولة العثور على أحفاد هؤلاء الملاك اليوم أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، نظراً لتضاعف الأجيال على مدار أكثر من قرنين ونصف.
العقدة الكبرى: بين البيروفي والكاتالوني
لتوضيح مدى تعقيد القضية، يطرح المؤرخ مثالاً مثيراً للاهتمام يتعلق بصندوق ثانٍ كان على متن السفينة، وموجه شخصياً إلى مانويل أمات، نائب ملك إسبانيا في البيرو آنذاك. فلو تم استخراج هذا الصندوق، لمن ستؤول ملكيته؟
الفرضية الأولى (النسب الكاتالوني)، وهل يذهب الكنز إلى الورثة الكاتالونيين المرتبطين بعائلة زوجة نائب الملك الشرعية في إقليم كاتالونيا بإسبانيا، بينما تذهب الفرضية الثانية (النسب البيروفي): أم يذهب إلى النسل البيروفي المنحدر من ابنه "مانويل أمات ي فيليجاس"، الذي ولد من علاقته الشهيرة بعشيقته الممثلة البيروفية "ميكائيلا فيليغاس" المعروفة بلقب (لا بيريتشولي).

المشكلة الحقيقية أن العائلات التي تحمل لقب "أمات" تعد بالآلاف اليوم، سواء في العاصمة البيروفية ليما أو في إقليم كاتالونيا الإسباني، مما يجعل تحديد الوريث الشرعي أمراً مستحيلاً من الناحية العملية، باستثناء المؤسسات التي استمرت عبر الزمن كالدولة أو الكنيسة.
الخلاصة: كنز ملك للبشرية
بعد فحص آلاف الملفات التاريخية في إشبيلية ومدريد وليما، يخلص المؤرخ باسينتي رويث إلى نتيجة ديبلوماسية وتاريخية حاسمة: على الرغم من أن الدولة الإسبانية تملك المسوغ القانوني للمطالبة بالجزء الأكبر والأثمن من الشحنة (الكساء الكريستالي الملكي)، إلا أن التعقيدات التشريعية وتداخل حقوق الورثة يجعل من هذا الحطام في النهاية "إرثاً ينتمي إلى البشرية جمعاء"، باعتباره موقعاً أثرياً وثقافياً يجب حمايته لا تقاسمه كغنائم.