عاجل

باحثة بـ"ألسن عين شمس" تناقش إشكاليات ترجمة الرواية البوليفونية

رضوي محمود خليل
رضوي محمود خليل

في خطوة بحثية تُعد من أوائل المحاولات الأكاديمية في مصر، إن لم تكن الأولى من نوعها، ناقشت الباحثة رضوى محمود خليل، الطالبة بالفرقة الرابعة بكلية الألسن في جامعة عين شمس، إشكاليات ترجمة الرواية متعددة الأصوات أو “البوليفونية”، وذلك من خلال مشروع تخرجها الذي حمل دراسة تطبيقية على رواية “أرض الآلهة المفقودة – Kayıp Tanrılar Ülkesi” للكاتب التركي أحمد أوميت وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية.


البحث يسلط الضوء على أحد أكثر الأنماط الأدبية تعقيدًا في مجال الترجمة، وهو “الرواية متعددة الأصوات” أو الـPolifonik Romanı، وهي الرواية التي تتحرر من هيمنة الراوي الواحد والمؤلف المسيطر على السرد، لتفسح المجال أمام أصوات الشخصيات المختلفة كي تروي الأحداث من زوايا متباينة، تحمل رؤى ومواقف أيديولوجية متضاربة، تاركة للقارئ حرية تكوين موقفه الخاص تجاه القضايا المطروحة داخل العمل.


وتوضح الدراسة أن مفهوم “تعدد الأصوات” لم يولد داخل الأدب، بل ظهر أولًا في الموسيقى عبر تقنية الـCounterpoint أو الـKontrpuan، وهي تقنية تقوم على تشابك الألحان المختلفة لتكوين إيقاع واحد متناغم، مع احتفاظ كل لحن باستقلاليته الخاصة. وتُعد هذه التقنية من أشهر التقنيات المستخدمة في المسرحيات الموسيقية، ومن أبرز من يوظفونها حاليًا المؤلف والملحن لين مانويل ميراندا، خاصة في أعماله الشهيرة مثل المسرحية الموسيقية Hamilton، وتحديدًا أغنية “Non-Stop” التي تتداخل فيها الأصوات والألحان بصورة تعكس تضارب الأفكار وتنوع الرؤى داخل المشهد الواحد.


وانتقل المفهوم بعد ذلك إلى الأدب على يد عالم اللغة والفيلسوف الروسي ميخائيل باختين، الذي استخدمه في تحليل أعمال فيودور دوستويفسكي، ليقدم للعالم مفهوم “الرواية البوليفونية” بوصفها سردًا قائمًا على تعددية الأصوات والرؤى لا على صوت مركزي واحد.


ويشير البحث إلى أن دراسة “الصوت” في الترجمة بدأت مبكرًا مع الباحث Theo Hermans، الذي ناقش مفهوم “صوت المترجم” داخل النصوص المترجمة، قبل أن تتوسع الدراسات اللاحقة في تحليل مفهوم الصوت، لا سيما من المنظور الباختيني.


وركزت الدراسة على أبرز الإشكاليات التي تواجه مترجم الرواية متعددة الأصوات، وفي مقدمتها الحفاظ على استقلالية كل صوت كما كتبه المؤلف الأصلي، دون أن تتحول الشخصيات إلى مجرد انعكاس لتأويل المترجم ورؤيته الخاصة، الأمر الذي يؤدي إلى ذوبان التعدد الصوتي داخل “صوت واحد” هو صوت المترجم نفسه، وبالتالي فقدان الرواية لبنيتها البوليفونية.


أما الإشكالية الثانية فتتمثل في إعادة تشكيل البيئة الثقافية للنص الأصلي بما يتناسب مع القارئ الجديد في اللغة المترجم إليها، دون فقدان الهوية الثقافية والخصوصية السردية للعمل. وتتفرع عن هذه الأزمة إشكاليات أخرى، مثل ترجمة العامية التركية، ونقل اللهجات، والتعامل مع الفوارق الطبقية والثقافية التي تظهر من خلال اللغة.


ووفقًا للدراسة، فإن البحث يُعد من أوائل الدراسات التي تناولت إشكاليات ترجمة الرواية متعددة الأصوات بصورة شاملة، من خلال الجمع بين تحليل “الصوت” نفسه بأبعاده المختلفة، ودراسة آليات نقل تعدد الأصوات داخل السرد، خاصة ما يتعلق بالخطاب غير المباشر الحر، وهو ما يمنح البحث بعدًا أكاديميًا متكاملًا.


كما تؤكد الباحثة أن لكل نوع أدبي خصوصيته التي تفرض طريقة مختلفة في الترجمة، وبالتالي لا يمكن التعامل مع الرواية متعددة الأصوات بالطريقة نفسها التي تُترجم بها الرواية أحادية الصوت أو المونولوجية، لأن ذلك يؤدي إلى اختزال التنوع السردي وإلغاء المسافات الفاصلة بين الشخصيات والأفكار.


وترى الدراسة أن “الأمانة” في ترجمة الرواية متعددة الأصوات لا تعني فقط نقل المعنى، بل الحفاظ على استقلالية كل صوت وأبعاده المختلفة، معتبرة أن تحويل السرد البوليفوني إلى سرد أحادي يتمحور حول صوت المترجم يُعد إخلالًا بأمانة الترجمة وخيانة للبنية الأصلية للنص الأدبي.

تم نسخ الرابط