عاجل

في عصر أصبحت فيه المعلومة تنتقل خلال ثوان إلى ملايين الأشخاص، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الآراء، بل تحولت إلى أحد أهم مصادر المعرفة بالنسبة لقطاعات واسعة من المواطنين، غير أن هذه المساحة المفتوحة، التي وفرت فرصا كبيرة لنشر الوعي والمعرفة، أفرزت في الوقت ذاته تحديات خطيرة، لعل أبرزها الانتشار المتزايد للمحتوى الطبي المضلل والوصفات العلاجية غير الموثقة التي يروج لها أشخاص يفتقرون إلى التأهيل العلمي أو ينتحلون صفات مهنية لا يمتلكونها.

خلال السنوات الأخيرة، شهد العالم تصاعدا ملحوظا في ظاهرة ما يمكن تسميته بـ"شعبوية الطب"، حيث بات بعض المؤثرين وأصحاب الصفحات الرقمية يقدمون أنفسهم باعتبارهم خبراء في العلاج والتغذية والتجميل، ويطرحون وصفات ونصائح صحية على أنها حقائق علمية مطلقة، مستغلين ثقة المتابعين وسهولة الوصول إليهم عبر المنصات الرقمية وقد أدى ذلك إلى ظهور أنماط جديدة من التضليل الصحي تجاوزت حدود النصح الخاطئ إلى ممارسات قد تهدد حياة المواطنين بشكل مباشر.

خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في المعلومات المغلوطة التي يتم تداولها، وإنما في تأثيرها العميق على سلوك الأفراد واتخاذهم قرارات صحية قد تكون مصيرية، المريض الذي يتخلى عن العلاج الطبي المعتمد لصالح وصفة متداولة على الإنترنت، أو الشخص الذي يخضع لإجراءات تجميلية بناء على إعلانات مضللة، يصبح ضحية مباشرة لمنظومة من الخداع الرقمي الذي يستهدف الربح السريع دون أدنى اعتبار للمعايير المهنية أو الأخلاقية.

إن قضية التضليل الطبي لم تعد مجرد ملف صحي بحت، بل أصبحت قضية ترتبط بمفهوم الأمن المجتمعي والأمن الإنساني، الدول الحديثة لم تعد مطالبة فقط بحماية حدودها ومؤسساتها، وإنما أيضا بحماية مواطنيها من الأخطار الجديدة التي تفرضها الثورة الرقمية، وفي مقدمتها المعلومات الزائفة التي تمس الصحة العامة، ولذلك أصبح من الضروري النظر إلى المحتوى الطبي المضلل باعتباره تهديدا للأمن الصحي للمجتمع يستوجب التعامل معه بجدية وحسم.

اللافت للنظر أن العديد من الدول بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة هذه الظاهرة، من خلال تشديد الرقابة على الإعلانات الطبية الرقمية، وملاحقة منتحلي صفة الأطباء، وفرض عقوبات رادعة على مروجي الادعاءات العلاجية غير المثبتة علميا، كما اتجهت بعض الدول إلى تطوير آليات للرصد الإلكتروني تمكنها من متابعة المحتوى الصحي المنشور عبر المنصات المختلفة والتدخل السريع لوقف أي معلومات مضللة قبل انتشارها على نطاق واسع.

وفي مصر، تبذل الدولة جهودا واضحة لحماية المواطنين من هذه الممارسات، سواء من خلال القوانين المنظمة للمهن الطبية أو عبر الحملات الرقابية التي تستهدف ضبط المخالفات ومواجهة ظاهرة انتحال الصفة إلا أن التطور المتسارع للفضاء الرقمي يفرض الحاجة إلى تحديث مستمر للأدوات الرقابية والتشريعية بما يواكب طبيعة التحديات الجديدة، خاصة أن المحتوى المضلل ينتشر بسرعة تفوق أحيانا قدرة المؤسسات التقليدية على متابعته، كما أن المواجهة لا يمكن أن تعتمد على العقوبات وحدها، فهناك جانب لا يقل أهمية يتمثل في بناء الوعي المجتمعي، فالمواطن الواعي هو خط الدفاع الأول ضد التضليل، ولذلك تصبح حملات التثقيف الصحي والإعلامي ضرورة ملحة، بهدف تعزيز قدرة الأفراد على التمييز بين المصادر الموثوقة والمحتوى الزائف، وترسيخ ثقافة الاعتماد على الجهات الطبية الرسمية والمتخصصين المعتمدين.

كذلك تبرز أهمية الشراكة بين المؤسسات الحكومية والنقابات المهنية ووسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي نفسها، من أجل وضع منظومة متكاملة لمواجهة المحتوى الطبي المضلل، هذه الظاهرة تتجاوز حدود مؤسسة واحدة، وتتطلب تكاتف جميع الأطراف المعنية لحماية المجتمع من آثارها السلبية.

إن معركة مواجهة التضليل الطبي هي في جوهرها معركة دفاع عن العقل والعلم وعن حق المواطن في الحصول على معلومات صحيحة وموثوقة تتعلق بصحته وحياته، ومع التوسع الهائل في استخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية، يصبح من الضروري الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي عبر إنشاء وحدات متخصصة للرصد والمتابعة، وتطوير التشريعات، وتعزيز الثقافة الصحية الرقمية لدى المواطنين.

الصحة ليست مجالا للتجارب أو الادعاءات غير المسؤولة، وحماية المجتمع من مروجي الوهم أصبحت مسؤولية جماعية تتطلب يقظة دائمة وإرادة سياسية وتشريعية ومجتمعية قادرة على مواجهة أحد أخطر أشكال التضليل في العصر الرقمي.

تم نسخ الرابط