عاجل

تحولت افريقيا في العقد الأخير إلى ساحة تنافس جيو-اقتصادي حاد تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى والإقليمية وتُعاد فيها صياغة موازين القوة العالمية بهدوء وبعمق بالغ وتقف مصر أمام لحظة هامة إما أن تتحول إلى لاعب مركزي في معادلة الصعود الإفريقي أو تظل طرفاً نشطاً سياسياً محدود التأثير اقتصادياً.       وتشير التقديرات أن الناتج المحلي الإجمالي للقارة الإفريقية تجاوز 3 تريليونات دولار مع توقعات نمو تتراوح بين 4% و4.3% خلال السنوات القادمة مدفوعة بقطاعات الطاقة والخدمات والتكنولوجيا المالية ولكن هذه الأرقام تخفي وراءها واقعاً أكثر تعقيداً لأن إفريقيا ليست كتلة اقتصادية واحدة بل فضاء متعدد المستويات يضم اقتصادات صاعدة وأخرى هشة وأسواقاً واعدة وأخرى عالية المخاطر وهنا يكمن التحدي الحقيقي لأي استراتيجية مصرية فاعلة.

  لقد نجحت مصر خلال العقد الماضي في استعادة حضورها السياسي داخل افريقيا عبر التفاعل النشط في مؤسسات الاتحاد الإفريقي وتكثيف الزيارات الرئاسية وتعزيز التعاون الأمني خاصة في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر ولكن هذا النجاح السياسي لم يُترجم بعد إلى اختراق اقتصادي عميق حيث لا تزال حصة إفريقيا من التجارة الخارجية المصرية محدودة نسبياً ولا تعكس الإمكانات الحقيقية للعلاقات.

 وفي هذا السياق، تكتسب الزيارات الرئاسية المتبادلة أهمية خاصة ، فزيارة الرئيس الإريتري للقاهرة خلال يونيو الجارى لا يمكن قراءتها في إطار العلاقات الثنائية فقط بل باعتبارها جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ولم تعد المنطقة مجرد ممر ملاحي بل تحولت إلى محطة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح الأمن والطاقة والتجارة العالمية وأي تقارب مصري-إريتري يعكس إدراكاً متزايداً بضرورة بناء محور استقرار مرن قادر على التعامل مع التحديات الأمنية المتصاعدة.

 أما زيارة الرئيس الكونغولي إلى القاهرة حاليا فهي تحمل أبعاداً اقتصادية أعمق بكثير مما يبدو على السطح فالكونغو الديمقراطية دولة إفريقية كبيرة وتمثل أحد أهم مخازن المعادن الاستراتيجية في العالم وعلى رأسها الكوبالت المستخدم في صناعة البطاريات والتكنولوجيا النظيفة والنحاس وهنا تبرز فرصة نادرة لمصر وهى الانتقال من دور المستورد أو الشريك التجاري التقليدي إلى لاعب في سلاسل القيمة العالمية عبر تبني نموذج “المعادن مقابل التصنيع” وبالتالى كيف يمكن لمصر أن تتحرك بفعالية في هذا المشهد الاقليمى المعقد؟ والإجابة لا تكمن في زيادة حجم التبادل التجاري فقط بل في إعادة تعريف طبيعة العلاقة مع إفريقيا والانتقال من “دبلوماسية العلاقات” إلى “دبلوماسية المصالح الإنتاجية” بمعنى آخر يجب أن تصبح مصر شريكاً في الإنتاج داخل القارة لا مجرد مصدر أو مستورد.

وفي هذا الإطار، يمكن طرح مجموعة من الأفكار والمقترحات القابلة للتطبيق:

أولاً: إنشاء مناطق صناعية وتجارية مصرية داخل إفريقيا خاصة في شرق وغرب القارة بحيث يتم الإنتاج محلياً والتصدير إقليمياً مستفيدين من اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية والكوميسا وهذا النموذج يحقق لمصر نفاذاً أعمق للأسواق ويقلل من تكاليف النقل والقيود الجمركية.

ثانياً: تأسيس بنك أو صندوق استثماري مصري-إفريقي موجه لدعم الشركات الصغيرة ومتناهية الصغر وهذه الخطوة يمكن أن تؤسس لشبكة مصالح اقتصادية ممتدة تعزز النفوذ المصري على المدى الطويل.

ثالثاً: تبني استراتيجية لوجستية متكاملة تربط قناة السويس ونهر النيل بالعمق الإفريقي عبر ممرات نقل متعددة الوسائط (بحري–بري–نهري) بما يحول مصر إلى مركز رئيسي لإعادة التصدير نحو إفريقيا.

رابعاً: الاستثمار في “القوة الناعمة الإنتاجية” من خلال إنشاء فروع لجامعات ومراكز تدريب مصرية في الدول الإفريقية مع ربط التعليم باحتياجات سوق العمل المحلي وهو ما يخلق ارتباطاً طويل الأمد بين الكوادر الإفريقية والاقتصاد المصري.

خامساً: تطوير منصة رقمية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل الأسواق الإفريقية بمقر التمثيل التجارى ومكاتبه التجارية فى افريقيا وتقديم معلومات دقيقة للمستثمرين المصريين بما يقلل من المخاطر المرتبطة بضعف البيانات في العديد من الدول الإفريقية.

  هذا، ولن يقتصر مستقبل إفريقيا فى مواردها الطبيعية أو نموها السكاني فقط بل بقدرتها على تحقيق التكامل الاقتصادي وتحسين بيئة الأعمال وتمثل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية فرصة تاريخية لكنها في الوقت نفسه اختبار حقيقي لقدرة الدول على التحرك بسرعة وكفاءة.

 وبالنسبة لمصر، فإن التحدي لم يعد في “العودة إلى إفريقيا” بل في “كيفية البقاء والتفوق داخلها” والمنافسة لم تعد تقتصر على القوى التقليدية بل تشمل فاعلين جدد يمتلكون أدوات مالية وتكنولوجية متقدمة ويتحركون بسرعة لملء الفراغات.

 وفى الختام فأن إفريقيا لم تعد خياراً استراتيجياً بل ضرورة وجودية في معادلة الأمن القومي والاقتصادي المصري والفرصة لا تزال قائمة لكنها لن تظل طويلاً ومن يتحرك أولاً ويستثمر بذكاء ويُعيد صياغة أدواته هو من سيحصد العوائد في العقد القادم وفي عالم يتغير بسرعة لا يكفي أن تكون حاضراً بل يجب أن تكون جريئا ومؤثراً.

تم نسخ الرابط