عاجل

في كل دولة تسعى إلى ترسيخ الاستقرار وبناء المستقبل، تبرز معركة لا تقل أهمية عن مواجهة التحديات الاقتصادية أو السياسية، وهي معركة فرض سيادة القانون والتصدي لكل من يحاول بناء نفوذ موازٍ لنفوذ الدولة أو فرض سلطته على المواطنين خارج إطار الشرعية.

وخلال السنوات الماضية، أثبتت الدولة المصرية أنها ماضية في هذه المعركة بلا تردد، واضعة نصب أعينها هدفاً واضحاً يتمثل في حماية المجتمع من ظواهر البلطجة، وفرض الإتاوات، وغسيل الأموال، والجريمة المنظمة التي تهدد الأمن والاستقرار وتقوض قيم المجتمع.

وجاءت قضية صبري نخنوخ وما أثير حولها من اتهامات وتحقيقات لتعيد إلى الواجهة الحديث عن خطورة تلك النماذج التي تحاول صناعة مراكز قوة خارج مؤسسات الدولة، مستندة إلى المال أو النفوذ أو مجموعات من الخارجين على القانون. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تقبل بوجود أشخاص أو جماعات تفرض هيبتها الخاصة أو تروج لفكرة أن القوة يمكن أن تكون بديلاً عن القانون.

إن أخطر ما تمثله هذه الظواهر لا يقتصر فقط على الجرائم المباشرة التي قد ترتبط بها، بل يمتد إلى التأثير السلبي على الوعي المجتمعي؛ فعندما يتحول بعض أصحاب النفوذ غير المشروع إلى نماذج يتابعها الشباب أو يتباهى البعض بعلاقاتهم بهم، فإن الخطر يصبح أعمق من مجرد مخالفة قانونية، لأنه يتحول إلى محاولة لإفساد منظومة القيم ذاتها، واستبدال ثقافة العمل والنجاح المشروع بثقافة القوة والهيمنة واستعراض النفوذ.

لقد عانى المجتمع المصري عبر سنوات من محاولات بعض العناصر تقديم البلطجة باعتبارها وسيلة لتحقيق المكاسب أو فرض السيطرة، بل إن بعض الأعمال الفنية والإعلامية ساهمت أحياناً في تقديم صورة مضللة عن هذه النماذج، وكأنها شخصيات ناجحة أو مؤثرة. والحقيقة أن هذه الظواهر كانت دائماً تمثل تهديداً مباشراً للدولة ولمفهوم المواطنة وسيادة القانون.

ومن هنا تكتسب التحركات الأمنية الأخيرة أهمية خاصة، لأنها تؤكد أن الدولة لا تفرق بين مواطن وآخر عندما يتعلق الأمر بتطبيق القانون؛ فلا أحد فوق المساءلة، ولا مكان لمن يعتقد أن المال أو العلاقات يمكن أن توفر له حصانة دائمة. وهذه الرسالة تمثل أحد أهم ركائز بناء الجمهورية الحديثة التي تقوم على المساواة أمام القانون واحترام مؤسسات الدولة.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المهم الذي تقوم بها وزارة الداخلية في مواجهة الجريمة المنظمة والتصدي لمحاولات فرض النفوذ غير المشروع. فخلال السنوات الأخيرة شهد الشارع المصري تطوراً ملحوظاً في سرعة التعامل مع البلاغات والشكاوى، كما أصبحت الوزارة أكثر تفاعلاً مع المواطنين عبر منصاتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم رصد العديد من الوقائع المتداولة والتعامل معها بصورة فورية وشفافة.

وقد نجحت هذه الآلية في تعزيز الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة، بعدما أصبح المواطن يرى استجابة سريعة للبلاغات المتعلقة بالمخالفات والجرائم والتجاوزات المختلفة. ولم يعد الفضاء الإلكتروني مجرد ساحة لنشر الشكاوى، بل أصبح أداة فعالة لدعم جهود إنفاذ القانون وتعزيز الرقابة المجتمعية الإيجابية.

كما أن مواجهة ظاهرة ما يُعرَف بـ"البودي جاردات" الذين انتشر بعضهم خلال السنوات الأخيرة بصورة تثير التساؤلات، تمثل جزءاً من معركة أوسع ضد محاولات صناعة هيبة زائفة خارج إطار الدولة. فالأصل أن الحماية والأمن مسؤولية مؤسسات الدولة، أما تحويل مجموعات من الأشخاص إلى أدوات لاستعراض القوة، أو الترهيب، أو فرض النفوذ الاجتماعي، فهو أمر يتعارض مع فكرة الدولة الحديثة ويخلق مناخاً غير صحي في المجتمع.

إن الدولة المصرية التي واجهت الإرهاب وانتصرت عليه، وخاضت معارك التنمية والبناء، تدرك جيداً أن الأمن لا يقتصر على مواجهة التنظيمات المسلحة فقط، بل يشمل أيضاً حماية المجتمع من كل الممارسات التي تهدد السلم الاجتماعي، أو تنشر ثقافة الخوف، أو تستهدف هدم القيم الأخلاقية والوالوطنية.

ولذلك فإن الرسالة الأهم من كل هذه التحركات هي أن مصر دولة مؤسسات قوية، لا تسمح بوجود مناطق نفوذ خارج القانون، ولا تقبل بظهور مراكز قوة موازية لسلطة الدولة؛ فالقانون هو السيد الوحيد، والدولة وحدها هي صاحبة الحق في فرض النظام وحماية المواطنين.

إن قضية "نخنوخ والذين معه" ليست مجرد قضية تخص أشخاصاً بعينهم، بل هي عنوان لمعركة مستمرة تخوضها الدولة المصرية دفاعاً عن المجتمع وقيمه واستقراره. وهي رسالة واضحة لكل من يفكر في استغلال المال أو النفوذ أو البلطجة لتحقيق مكاسب غير مشروعة، بأن زمن الفوضى قد انتهى، وأن الدولة المصرية تمتلك من القوة والإرادة ما يمكنها من حماية مجتمعها وصون هيبة القانون.

وفي النهاية، يبقى الرهان الحقيقي على استمرار هذه المواجهة الشاملة، ليس فقط عبر الإجراءات الأمنية والقانونية، وإنما أيضاً عبر ترسيخ ثقافة احترام القانون، وتعزيز قيم العمل والنجاح المشروع، حتى يبقى المجتمع المصري عصياً على كل محاولات الإفساد أو الهدم من الداخل، وقادراً على مواصلة مسيرته نحو الاستقرار والتنمية وبناء المستقبل.

تم نسخ الرابط