بضغوط عملاق الطاقة..غاز القطب الشمالي يفجر الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي
لم يكن بإمكان الاتحاد الأوروبي ، الصمود بسهولة أمام سلسلة أزمات الطاقة الأخيرة أزمتان في أقل من خمس سنوات لولا النفط والغاز القادمان من النرويج.
فمع اندلاع حربين متتاليتين، في أوكرانيا والشرق الأوسط، بات الجار الشمالي والمخزن الأحفوري الأكبر للقارة شريانًا حيويًا لتأمين الإمدادات خلال السنوات الأربع الأكثر تعقيدًا منذ حقبة السبعينيات المضطربة، حينما وضعت منظمة "أوبك" والثورة الإيرانية الغرب في مأزق حرج.
واليوم، وتحديدًا مع امتلاكها هذه الورقة الرابحة، تسعى أوسلو إلى استغلال مكانتها كـ"مورد الملاذ الأخير" لتحقيق مكاسبها الخاصة.
وضاعفت السلطات النرويجية خلال الأيام الماضية ضغوطها على دول الاتحاد الأوروبي الـ27 للتراجع عن قرار حظر عمليات الحفر والتنقيب لاستخراج الخام والغاز الطبيعي من منطقة القطب الشمالي (الآركتيك)، وهي المنطقة التي تضم ثلثي احتياطيات النفط والغاز للبلد الإسكندنافي.
ولم يكن اختيار هذا التوقيت عشوائيًا؛ إذ يستعد الاتحاد الأوروبي للكشف، بعد فترة الصيف، عن الخطوط العريضة الجديدة لسياسة المنطقة القطبية الشمالية، الغنية بالموارد الطبيعية والحيوية من الناحية الجيواستراتيجية، حيث تتنافس القوى العالمية الكبرى على فرض هيمنتها هناك.
وفي تصريحات أدلى بها مؤخرًا لشبكة "بلومبرغ"، أشار وزير الخارجية النرويجي، إسبن بارث إيدي، إلى هذا التوجه قائلًا: "لا توجد مبررات مناخية للتعامل بشكل مختلف مع النفط والغاز المستخرجين شمال أو جنوب خط جغرافي معين".
وفي المقابل، تأتي دفوع المعارضين لهذا الطرح ذات طابع مناخي بحت؛ إذ ترتكز على أن القطب الشمالي يسخن بمعدل أسرع بأربع مرات من بقية الكوكب، وأن الأضرار الناجمة عن أي عمليات حفر ستكون جسيمة بالنظر إلى القيمة البيئية التي لا تقدر بثمن لهذه المنطقة.
حمى التنقيب في مواجهة تحذيرات المناخ
وبعد فترة وجيزة من تسجيل شمال النرويج في أبريل الماضي أعلى درجات حرارة لمثل هذا الشهر منذ بدء التوثيق، أعلنت الحكومة النرويجية عن فتح 70 مربعًا جديدًا للأنشطة الاستكشافية موزعة بين بحر الشمال، وبحر النرويج، وبحر بارنتس.
وفي مايو، وعلى الرغم من اعتدال درجات الحرارة في البلد الإسكندنافي، إلا أن الأرقام القياسية لارتفاع الحرارة تحطمت في دول أوروبية أخرى مثل المملكة المتحدة، وإيرلندا، وفرنسا، وهولندا، ولوكسمبورج والبرتغال، وأندورا.
ومن جانبها، أقرت المبعوثة الخاصة للاتحاد الأوروبي لمنطقة القطب الشمالي، كلود فيرون ريفيل، بنشاط النرويج الدبلوماسي المكثف، وقالت في مقابلة مع "بلومبرغ": "النرويج نشطة للغاية وتعرف كيف تجعل صوتها مسموعًا، فهي منظمة جيدًا وحاضرة بقوة".
وخلال الأشهر الخمسة الأولى من العام، توافد أكثر من نصف وزراء الحكومة النرويجية (11 من أصل 19 وزيرًا) إلى بروكسل لعقد لقاءات مع كبار المسؤولين في المفوضية الأوروبية، متمحورة حول ثلاثة ملفات رئيسية: الطاقة، والقطب الشمالي، والتجارة الثنائية.
وفي واقع الأمر، لا تحتاج النرويج —كونها ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي— إلى إذن من بروكسل لاستخراج النفط والغاز من تلك المنطقة التابعة لـ"منطقتها الاقتصادية الخالصة".
لكنها تحتاج، لضمان جدوى هذه العمليات اقتصاديًا، إلى موافقة دول التكتل الـ27 على شراء الخام والغاز المستخرجين بهذه الطريقة، وهو الأمر المحظور تمامًا في الوقت الراهن.
انقسام داخلي ومعارضة من المجتمع المدني
ولم يأتِ الرد على هذه المحاولة الجديدة للحكومة النرويجية من بروكسل فحسب، بل جاء من قلب المجتمع المدني النرويجي نفسه. ففي نهاية مايو، أرسلت نحو 130 منظمة، ومركز أبحاث، وأكاديميين، ومؤسسات مالية —من بينها مجموعة "نورديا" المصرفية النافذة— رسالة إلى أربعة مفوضين أوروبيين وإلى نائبة رئيس الحكومة الإسبانية تيريزا ريبيرا، يحثونهم فيها على اتخاذ موقف حازم وعدم السماح باستغلال القطب الشمالي.
واستندت الرسالة في مرافعتها إلى شقين أساسيين: بيئي وأمني. وجاء في الشق البيئي: "نحث الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على التزامه بحماية الأنظمة البيئية الهشة شمال الدائرة القطبية الشمالية وتعزيز هذا الالتزام في مواجهة البنى التحتية للنفط والغاز".
أما على الصعيد الأمني، فقد جادل الموقعون بأن "نظام طاقة يعتمد على الطاقات المتجددة المحلية والكهرباء واسعة النطاق سيكون أكثر مرونة واستدامة".
وأضاف نص الرسالة أن الإنتاج في حقول القطب الشمالي لن يبدأ فعليًا قبل دخول عقد الأربعينيات من القرن الحالي.
وحتى لو أصبح النفط والغاز في تلك المنطقة "محوريين لأمن الطاقة الأوروبي، فإن تلك البنى التحتية ستكون أكثر عرضة لمحاولات التخريب".
حسابات الأرقام والاعتماد الأوروبي
في المقابل، يرى المدافعون عن عمليات الحفر في القطب الشمالي أنها ضرورية لمواجهة تقلبات أسواق الطاقة في أوروبا.
فقد غطت الصادرات النرويجية العام الماضي قرابة 13% من طلب دول الاتحاد الأوروبي على النفط الخام، وهو رقم في تصاعد مستمر منذ الغزو الروسي لأوكرانيا.
ويظهر ثقل النرويج بشكل أكبر في سوق الغاز، حيث تستحوذ على 31%، مما يجعلها المصدر الرئيسي للغاز الطبيعي الذي يستهلكه الاتحاد الأوروبي، متقدمة على الولايات المتحدة، وهي قفزة تجاوزت حتى تلك المسجلة في قطاع النفط الخام.
وتفتح الضغوط المتجددة على الشركاء الأوروبيين الباب أمام قراءات متعددة؛ أولًا لأنها تأتي في ظرف معقد لدول التكتل في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز —رغم أنه بات أكثر نفاذية مقارنة بالشهر الماضي— ومعاناتهم المستمرة لتأمين إمدادات الكيروسين والوقود الحيوي الآخر.
وثانيًا، وهو الأمر الجديد، أن فكرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بدأت تكتسب زخمًا وتأييدًا داخل المجتمع النرويجي عقب التهديدات المتواصلة من دونالد ترامب تجاه جرينلاند، وهي جزيرة قطبية تابعة لمملكة الدنمارك.
وبعد سنوات من الرفض للانضمام إلى المشروع الأوروبي المشترك، أعادت النرويج خلال الأشهر الأخيرة فتح النقاش حول العضوية، وهو أمر تنظر إليه بروكسل بعين الترحيب الشديد، حيث لا تفتأ القيادات الأوروبية تفتح الباب لأوسلو علنًا.
ومع ذلك، وعلى عكس جارتها آيسلندا —التي ستصوت في 29 أغسطس المقبل على فتح مفاوضات الانضمام من عدمه— لم تدع النرويج حتى الآن إلى أي استفتاء، علماً بأنها شهدت استشارتين سابقتين في عامي 1972 و1994، انتهتا بانتصار ضئيل لتيار الرفض (لا).