بابا الفاتيكان من مدريد: بناء شبكات الحوار والتضامن ضرورة لحماية روح المجتمع
دعا البابا لاون الرابع عشر بابا الفاتيكان، إلى تعزيز الحوار والتضامن الإنساني وبناء جسور التواصل بين مختلف فئات المجتمع، مؤكدًا أن حماية الإنسان وكرامته يجب أن تظل محور التنمية والتقدم في ظل التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة.
جاء ذلك خلال مشاركته، مساء الأحد، في فعالية بعنوان "نسج الشبكات مع عوالم الثقافة والفن والاقتصاد والرياضة"، التي استضافتها قاعة "موفيستار أرينا" بالعاصمة الإسبانية مدريد، ضمن برنامج زيارته الرسولية إلى إسبانيا.
لقاء يجمع رموز الثقافة والاقتصاد والرياضة
وشهدت الفعالية حضور نخبة من الفنانين والأكاديميين ورجال الأعمال والنقابيين والرياضيين، في إطار حوار يهدف إلى تعزيز التواصل بين الكنيسة والمجتمع المعاصر.
ومن بين المشاركين الممثل الإسباني الشهير أنطونيو بانديراس، الذي تحدث عن العلاقة بين الإيمان والإبداع الفني، إلى جانب رئيس جامعة كومبلوتنسي بمدريد، خوسيه ماريا كويلو دي بورتوجال، الذي تناول دور المؤسسات التعليمية والعلمية في مواجهة تحديات العصر.
كما ناقش ممثلو قطاعات الأعمال والعمال التحديات الأخلاقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتحولات الاقتصادية، بينما استعرض عدد من الرياضيين القيم الإنسانية التي تعززها الرياضة، مثل المثابرة والتواضع والتضامن.
أي إرث نتركه للأجيال المقبلة؟
وفي كلمته، أشاد البابا بالإرث الحضاري والثقافي الغني الذي تتمتع به إسبانيا، مشيرًا إلى أن المدن التاريخية والجامعات والكنائس والفنون والموسيقى تشكل جزءًا من هوية البلاد.
لكنه طرح في الوقت نفسه تساؤلًا محوريًا حول مستقبل المجتمعات، قائلًا إن الإنجازات الحالية تدفع الجميع للتفكير في نوع الإرث الذي سيُترك للأجيال القادمة، وطبيعة المجتمع الذي يتم بناؤه للمستقبل.
وأكد أن التطور التكنولوجي والاقتصادي يفقد معناه إذا ابتعد عن خدمة الإنسان، محذرًا من أن المجتمعات قد تتحول إلى كيانات بارعة في الإنتاج والتواصل، لكنها تفتقد البوصلة التي تحدد الغاية الحقيقية من هذا التقدم.
الكرامة الإنسانية أساس التنمية
وشدد البابا على أن السؤال الجوهري الذي يجب أن يبقى حاضرًا هو: "ماذا يعني أن يكون الإنسان إنسانًا بحق؟"، مؤكدًا أن الكنيسة تضع الإنسان في قلب رسالتها وتسعى إلى دعم التنمية الشاملة التي تحفظ كرامته وحقوقه.
وأضاف أن الثقافة تمثل أحد أهم السبل التي يعبر الإنسان من خلالها عن هويته ويشكل ملامح مستقبله، داعيًا إلى حماية القيم الثقافية والإنسانية في مواجهة مظاهر التهميش والاستقطاب.
الحوار سبيل لبناء المستقبل
وأوضح البابا أن مفهوم "نسج الشبكات" لا يقتصر على التواصل التقني أو المؤسسي، بل يقوم على بناء علاقات إنسانية قائمة على الاحترام المتبادل والحوار الصادق.
وأكد أن الجامعات مطالبة بالتمسك بالحقيقة والانفتاح على قضايا المجتمع، فيما ينبغي للشركات ألا تنظر إلى العاملين باعتبارهم مجرد أرقام اقتصادية، كما يجب أن تظل الفنون متاحة للجميع، وألا تتحول الرياضة إلى مجرد وسيلة للربح أو الترفيه.
كما دعا إلى توظيف التكنولوجيا لخدمة الفئات الأكثر احتياجًا، ومن بينهم كبار السن والفقراء والمهمشون.
الفن والجمال قوة للتغيير
وتوقف البابا عند الدور الذي يلعبه الفن والجمال في حياة الإنسان، معتبرًا أن الأعمال الفنية والثقافية قادرة على إحداث تغيير حقيقي في النفوس وتعزيز قيم الانفتاح والتفاهم.
وأشار إلى أن التراث الروحي والثقافي الإسباني يقدم نموذجًا حيًا للتفاعل بين الإيمان والإبداع الإنساني عبر القرون.
الفقراء في قلب الاهتمام
وأكد البابا أن أوضاع الفقراء والمهمشين تظل معيارًا حقيقيًا لعدالة المجتمعات وفاعلية الأنظمة الاقتصادية والسياسية، مشددًا على ضرورة أن تسهم المؤسسات المختلفة في تحقيق تنمية متوازنة تتيح الفرص أمام الجميع للمشاركة في بناء المجتمع.
الرياضة مدرسة للقيم الإنسانية
وفي ختام كلمته، سلط البابا الضوء على الدور التربوي للرياضة، معتبرًا أنها تعلم الأفراد احترام الآخرين وقبول الخسارة بروح رياضية والنجاح دون تعالٍ، فضلًا عن قدرتها على تعزيز قيم الوحدة والسلام والتماسك الاجتماعي.
ودعا الحضور إلى أن يكونوا شركاء فاعلين في بناء مجتمع أكثر إنسانية وتضامنًا، يقوم على الحوار واحترام الكرامة الإنسانية وخدمة الصالح العام، مؤكدًا أن مستقبل المجتمعات يعتمد على قدرة البشر على العمل معًا من أجل الخير المشترك.