عاجل

هذا التصريح لابد أن نتوقف عنده كثيراً بغض النظر عن صحته من العدم، فقد قاله رجل الأعمال المعروف نجيب ساويرس والذي يحتل مكانة كبيرة في قائمة أغنياء العالم العشرة. ساويرس الذي اعتدنا منه المدح والافتخار بالإمارات زاد مدحه بهذه الجملة المغايرة للتاريخ وللواقع كله.

طبعاً نعلم أن عالم رجال الأعمال يعطي مساحة كبيرة للإطراء من أجل الصفقات والتعاهدات، ولكن أن يتسع هذا المجال ليصف رجل المال والأعمال دولة ما -مع احترامنا لها ولقادتها- أن يصفها بأنها الأب الروحي لمصر مهما كانت نيته وعقيدته ودوافعه للإدلاء بهذه التصريحات، ولنطلب منه تفسير معنى "الأب الروحي" ومغزى هذا التعبير.

مصر دولة جاءت ثم جاء بعدها التاريخ كما قال العظماء عنها، ولا يعني دعم من حولها مادياً لها في تداعيات ما بعد ما عُرف بالربيع العربي، لا يعني على الإطلاق أن ننصب هؤلاء الداعمين بكونهم آباء لبلادنا العظيمة، فهي أم الدنيا كلها ولا لأحد عليها فضل ولا إعلاءً؛ لأن بلادنا دفعت مقدماً بكل ما أوتيت من قدرات لهذه الدول عندما لم يكن لديهم إلا صحراء جدباء ولم يظهر البترول الذي غير حالهم من حال إلى أحوال وصعد بهم إلى قمة أصحاب الأموال والسلطان.

مصر هي التي أرسلت مهندسيها لكي يغيروا وجه صحراء هذه الدول ويحولونها إلى ما هي عليه الآن من مدن وكباري وأنفاق، وكل تقدم عمراني وضع أساسه مهندس وعامل وصنايعي مصري. مصر هي من أرسلت معلميها إلى هذه الدول كي يخرجوا شعوب هذه الدول من الظلام إلى النور، من الأمية إلى التعلم، من مجرد أفراد لا يعلمون القراءة والكتابة إلى أناس أصحاب عقول ولسان ينطق بكل اللغات وبكافة العلوم، لسان عربي يتكلم ويعلم ويتعلم..

مصر التي قدمت ولم تأخذ والتاريخ شاهد ويقر بأن مصر كانت ترسل وتعطي المعلمين والمهندسين أجورهم من خزينة القاهرة؛ لأن هذه الدول لم تكن حينها تملك المال الذي جاء بوفرة بعد اكتشاف حقول البترول والغاز والتي غيرت واقع هذه الدول وعبرت بهم إلى بر الدول الغنية والساعية لوضع قدم لها في المجتمع الدولي، وإن خان بعض هذه الدول الطريقة السليمة لرسم وجودها وتواجدها الإقليمي والعالمي. دعم هذه الدول لمصر بعد الربيع العربي المزعوم ليس منحة ولا هبة، ولكنه مدفوع مقدماً ومأخوذ ريعه مؤجلاً لأنها دخلت البنوك في شكل قروض وليس لوجه الله ورسوله.

أعلم تمام العلم أن دول الخليج تقدر مصر وتعرف قيمتها، والأكثر علماً أن شعوب هذه الدول تحب مصر وكل ما هو مصري، وأعلم أن قادة هذه الدول سيفسرون تصريح رجل الأعمال المصري بأنه إطراء مبالغ فيه وبأنه يشوبه جزء من التملق، وأعلم أيضاً أن مثل هذه التصريحات لن تجد صداها لدى قادة دول الخليج كما كان يحلم رجل الأعمال؛ ولذلك فلابد أن نهمس في أذنيه بمثلنا الشعبي الذي نتوارثه ويقول: "اللي مالوش خير في أهله مافيش خير فيه لل...."

تصريح ليس بالغريب من كل من يتحدث بلا حرج بزعم أنه يرى أن الديمقراطية تكفل له ذلك الحق، ولكن هل لو انعكست الآية وصرح رجل الأعمال الإماراتي الحبتور بتصريح مماثل عن بلاده ووصف فيها مصر أو أي دولة يراها تدعم بلاده بأنها الأب الروحي للإمارات!! هل سيمر هذا التصريح مرور الكرام؟؟ أعتقد أن الإجابة يعلمها رجل الأعمال المصري والإماراتي وكل رجل أعمال يعلم أن التملق لا يجدي في كل الأحوال وربما يكون سلاحاً فتاكاً… سلام الله على رجال الأعمال من نوع هذا وهؤلاء!!

تم نسخ الرابط