عاجل

تتكرر في المناسبات العامة ملامح شخصية باتت مألوفة: شخص لا يدخل الحدث بوصفه مشاركاً حقيقياً، بل بوصفه باحثاً عن لقطة. حضوره لا يُقاس بمدى انخراطه في المناسبة، بل بقدرته على الظهور داخل إطار صورة قد تُعيد تشكيل صورته الاجتماعية بالكامل.

لم يعد السؤال في كثير من هذه المناسبات: من حضر؟ بل أصبح أقرب إلى: من ظهر؟

صورة واحدة قد تكفي لصناعة انطباع كامل عن علاقة، أو مكانة، أو قربٍ من الحدث، حتى لو كانت الحقيقة أبسط وأقل درامية من ذلك بكثير. هنا يتقدم “الحضور البصري” على “الحضور الفعلي”، وتصبح اللقطة أحياناً أقوى من السياق نفسه.

تتشكل داخل هذا المشهد فئة صغيرة لكنها لافتة، لا تتعامل مع المناسبات باعتبارها التزاماً اجتماعياً أو إنسانياً، بل كفرصة لإنتاج حضور قابل للتداول. هذه الفئة لا تتحرك وفق منطق الدعوة أو القرب الحقيقي، بل وفق منطق آخر أكثر هدوءاً: كيف يمكن أن أظهر داخل الصورة؟ وكيف يمكن لهذا الظهور أن يُقرأ لاحقاً كدليل على ما هو أكبر منه؟

ومع الوقت، لم تعد المناسبات كما كانت؛ الجنازة لم تعد وداعاً خالصاً، والفرح لم يعد احتفالاً فقط، والمؤتمر لم يعد لقاءً مهنياً صرفاً، وحتى الطقس الديني أو الاجتماعي بات يحمل طبقة إضافية من “التوثيق البصري” الذي يجاوره ويعيد تشكيله.

تتعدد مستويات الحضور داخل هذه الفضاءات: حضور فعلي يشارك في الحدث، وحضور بصري يعيش داخل الكادر، وحضور رمزي يتشكل لاحقاً عبر إعادة النشر والتداول. وبين هذه المستويات، تظهر مساحة رمادية يتحرك فيها من يجيد إدارة موقعه في الصورة أكثر مما يجيد الانخراط في معناها.

من هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”القرب المصنوع”؛ قرب لا يقوم على علاقة ممتدة أو مشاركة حقيقية، بل على لقطة سريعة بجوار شخصية معروفة، أو تواجد عابر داخل مشهد كبير، يتحول لاحقاً إلى “دليل” اجتماعي على صلة أوسع مما هو قائم فعلياً.

تأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذا النمط مساحة أكبر للانتشار؛ فالصورة تُنشر دون كثير من الأسئلة حول سياقها، وتُقرأ كما هي، ثم يُعاد تأويلها وفق ما تسمح به قابلية التداول. وهكذا يمكن إعادة بناء صورة الذات داخل كل مناسبة، ليس بالضرورة عبر الفعل، بل عبر إدارة الظهور داخل الإطار.

وفي بعض الحالات، يتجلى هذا النمط بوضوح أكبر في شخصيات تعرف كيف تمارس الحضور بوصفه مهارة؛ تقف في المكان المناسب، تظهر في اللحظة المناسبة، وتنسحب في التوقيت المناسب، بحيث تبقى دائماً داخل المشهد دون أن تتحمل عبء الانخراط الكامل فيه.

لكن هذا لا يحدث بمعزل عن منظومة أوسع؛ فالمصور يختار ما يستحق الالتقاط، ووسائل الإعلام تعيد ترتيب المشهد وفق اعتبارات النشر، والمتابعون يضيفون طبقة جديدة عبر التفاعل وإعادة التدوير. وهكذا يتحول الحدث تدريجياً من واقعة إلى صورة، ومن صورة إلى انطباع، ثم إلى “حقيقة اجتماعية” مؤقتة.

في المقابل، هناك حضور آخر أقل ضجيجاً، لا يسعى إلى الظهور ولا يفاوض عليه؛ حضور يشارك بهدوء، دون أن يحوّل نفسه إلى مادة بصرية. وغالباً ما يكون هذا النوع من الحضور هو الأقرب إلى جوهر المناسبة، لكنه الأقل ظهوراً في الذاكرة الرقمية.

في النهاية، لا تبدو المسألة مرتبطة بالمناسبات ذاتها بقدر ما ترتبط بالطريقة التي يُعاد بها تشكيلها؛ فكل حدث يتحول إلى مساحة اختبار لمعنى الحضور، وحدود القرب، والفارق بين ما يُعاش فعلاً وما يُوثَّق ليُرى.

ويبقى متطفلين صناع الحضور توصيفاً لمشهد أوسع من مجرد سلوك فردي، إنه تعبير عن إيقاع اجتماعي جديد يعيد تعريف الوجود داخل اللحظة، بين ما يحدث… وما يُراد له أن يُرى.

تم نسخ الرابط