هل نهضت أي أمة من الأمم دون أن يكون لديها نهضة علمية ناتجة عن نظام تعليمي فعال ومؤثر يحفز على الإبداع والابتكار ؟ الحضارة الفرعونية لم تشيد أهرامها ومآثرها الخالدة إلا بالتفوق العلمي في مجالات الهندسة والفلك والطب وغيرها من المجالات ، وما قامت الحضارة الإغريقية إلا على تأسيس وإعلاء قيمة المنهج العقلي في مجالات الفلسفة والرياضيات والفيزياء ، ولم تتسيد الحضارة الإسلامية المشهد إلا بالتطور العلمي في مجالات متعددة كالطب حيث كان القانون في الطب لابن سينا مرجعا أساسيا في الجامعات الأوربية لقرون ، وفي الرياضيات برز نجم الخوارزمي مبتكر علم الجبر ، وفي البصريات أسس ابن الهيثم أسس علم البصريات وطور كثرا من أسس ومناهج البحث العلمي .
القاسم المشترك إذن في أي تقدم حضاري هو التطور في مجالات المعرفة الإنسانية ، لذلك فإن قيمة العلم تتعدى حدود الاستفادة الفردية للأشخاص ، لتشمل قيام حضارة مزدهرة ، تعلي من قيمة العلم ، وترفع شأن العلماء ، لأنهم هم الذين يبنون الحضارة ، ويصنعون العلامات الفارقة في مسيرة الأمم والشعوب .
ومؤخرا تولي الدولة المصرية في ظل الجمهورية الجديدة عناية فائقة بقطاعات التعليم المختلفة ، سواء ما يتعلق بالتعليم قبل الجامعي ، أو التعليم العالي ، حيث شهدت الدولة المصرية توسعا كبيرا في عدد الجامعات والمؤسسات التعليمية ، يوجد في مصر الآن 129 جامعة متنوعة ما بين الحكومية والخاصة والأهلية والتكنولوجية وفروع بعض الجامعات الأجنبية وجامعة الأزهر الشريف ، وبعضها ينتمي لجامعات الجيل الرابع التي تعنى بالابتكار لا التلقين ، وترتبط برامجها مع البيئة الصناعية لتسهم في حل المشكلات ودفع عجلة الاقتصاد الوطني ، وتفعل التقنيات الرقمية لتقديم خدماتها التعليمية والبحثية .
وذلك لا ينفي إطلاقا الاعتراف بجملة من التحديات التي تواجه التعليم العالي في مصر التي ربما يكون من أهمها : الفجوة بين مهارات الخريجين ومهارات سوق العمل المتطور والمتنامي بشكل مطرد ، وتكدس الطلاب في بعض التخصصات التقليدية ، وضعف الشراكات مع القطاع الخاص وضعف الإنفاق على التعليم والبحث العلمي بالقياس إلى الناتج الإجمالي القومي ، وهو ما تشير الوثائق إلى أنه يبلغ في حدود 2% فقط من الناتج القومي ( بالرغم من أن الدستور ينص على ضرورة أن لا يقل حجم الإنفاق على التعليم عن 4% من إجمالي الناتج القومي ) وانعكس ذلك على تراجع دخول أعضاء هيئة التدريس وتباطؤ خطط التحول الرقمي وتطوير البني التحتية في بعض هذه المؤسسات .
ولكن الإيجابي في المشهد التعليمي في مصر أن القيادة السياسية مدركة لأهمية تطوير هذا القطاع ، لإيمانها الراسخ بأن تطوير التعليم والنهوض به أمن قومي للدولة المصرية ، ومحدد رئيسي من محددات قدرة الدول على النمو وتعزيز تنافسيتها ، ظهر ذلك جليا في لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء ووزير التعليم العالي والبحث العلمي مؤخرا لاستعراض الرؤية المستقبلية للدولة المصرية لتطوير قطاع التعليم العالي والبحث العلمي وتحويل مصر إلى مركز إقليمي دولي للتعليم العالي بما يسهم في بناء اقتصاد المعرفة واجتذاب الدارسين حول العالم للدراسة في مصر .
إنه من الأهمية بمكان أن يعي الساسة وصناع القرار أن لا مستقبل إلا بتطوير التعليم ، وأن استمرار النهضة العلمية تحتاج لجهود حثيثة ، لأن التعليم هو الركيزة الجوهرية التي تقود قاطرة التقدم ، والانتقال من نمط التلقين إلى فضاء الابتكار ، وربط البحث العلمي بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل ليس ترفا ، وحين ننجح في تحويل جامعاتنا ومؤسساتنا الأكاديمية لمراكز إشعاع فكري ومعرفي تخرج أجيالا لا تكتفي باستهلاك المعرفة بل تسهم في إنتاجها وصناعتها ، سنكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو استعادة الريادة ، لتظل مصر دائما منارة للعلم ، وقبلة للمعرفة .