عاجل

بالجوابي والخيزران.. شاب منوفي يروي تفاصيل عمله في الترعة بحثا عن الاستاكوزا

محمد عبيد
محمد عبيد

في وقت تتوهج فيه الشمس فوق حقول الدلتا، وتخلو الشوارع من المارة هربا من لهيب الصيف، هناك على حافة ترعة هادئة في إحدى قرى محافظة المنوفية، تبدأ حكاية مختلفة تماما، ليست حكاية صيد عادي، ولا نزهة على ضفاف الماء، بل رحلة يومية شاقة لشاب يطارد رزقه وسط الطين والمياه والحرارة المرتفعة.

محمد عبيد، شاب في مقتبل العمر من عزبة سلطان بمركز منوف، لا يحمل صنارة صيد متطورة ولا قاربا يسهل عليه التنقل، بل يعتمد على أدوات بسيطة تكاد تبدو خارج الزمن، شباك صغيرة تعرف باسم “الجوابي”، وعصا خيزران طويلة يستخدمها كامتداد ليديه داخل المياه.

منذ ساعات الصباح الأولى، يدخل محمد إلى الترعة، وتحديدا في مناطق تمتد بين ترعة ميت البيضا بمركز الباجور ومجاري مائية أخرى في محيط قريته. هناك، حيث تبدو المياه ساكنة للوهلة الأولى، يبدأ عمله الحقيقي، وهو البحث عن الاستاكوزا، ذلك الكائن النهري الصغير الذي تحول إلى مصدر رزق يومي له.

بين الطين والماء والشمس الحارقة، لا تبدو قصة محمد مجرد حكاية صيد، بل شهادة حية على شكل آخر من الكفاح اليومي في الريف المصري، كفاح لا توثقه الكاميرات كثيرا، لكنه يتكرر كل يوم في صمت، حيث يتحول “الجوابي” من شبكة صيد بسيطة إلى رمز لحياة كاملة تُبنى على الصبر والاحتمال.

وفي نهاية اليوم، حين يخرج محمد من الترعة، لا يحمل فقط ما اصطاده، بل يحمل أيضا يوما جديدا من التعب، ينتظر أن يكافأ غدا برزق أكثر، أو بحلم أقرب للتحقق.

7 ساعات داخل الماء

يمضي محمد ما يزيد عن سبع ساعات يوميا داخل المياه، يتحرك ببطء، يزرع شباكه في نقاط محددة، ثم يعود إليها واحدة تلو الأخرى ليتفقد ما وقع فيها، أحيانا يجد صيده المنتظر، وأحيانا أخرى لا يعود إلا بخيبة تعب اليوم الطويل.

يقول محمد:“بشتغل في المهنة دي من أكتر من 15 سنة.. وبلف على الترع عشان أجيب الرزق”.

ورغم قسوة العمل، لا يملك خيارا آخر، فهذه المهنة، كما يقول، هي مصدر دخله الوحيد تقريبا، وإن كان غير ثابت، يعتمد على ما تجود به المياه يوميا.

"الجوابي".. أدوات بدائية لصيد صعب

تعتمد طريقة الصيد التي يستخدمها محمد على شباك صغيرة تُعرف في بيئته بـ”الجوابي”، وهي أدوات بدائية تنصب في قاع الترعة أو على جوانبها، لتلتقط الاستاكوزا التي تتحرك بين الطمي والنباتات المائية.

وبالإضافة إلى ذلك، يستخدم عصا من الخيزران تساعده على التوازن داخل المياه وحمل ما يصطاده، في مشهد يجمع بين البساطة والمشقة في آن واحد، ورغم بساطة الأدوات، فإن المهنة تتطلب خبرة طويلة في معرفة أماكن تواجد الاستاكوزا، وأوقات نشاطها، وكيفية التعامل مع الطبيعة المتغيرة للترعة.

دخل يومي غير مضمون.. ورزق “على حسب الحظ”

في نهاية اليوم، يعود محمد بحصيلته التي قد تتراوح بين 3 إلى 4 كيلوجرامات من الاستاكوزا، يبيع الكيلو منها بنحو 70 جنيها، لكن هذا الرقم لا يعكس واقعا ثابتا، فهناك أيام كثيرة يعود فيها بأقل من ذلك، وأخرى قد تكون أكثر سخاء.

يلخص محمد طبيعة عمله الذي لا يعرف الاستقرار، قائلا: “الرزق على الله.. يوم فيه ويوم لا”.

وراء هذا الجهد اليومي، يقف حلم بسيط لا يتجاوز حدود الواقع، قارب صغير يساعده على العمل بشكل أسهل وأسرع، ويخفف عنه ساعات المشي داخل المياه، ويمنحه قدرة أكبر على الصيد.

محمد متزوج وأب لطفلين، ويقول إن كل ما يفعله هو من أجل أن يوفر لهم حياة كريمة، حتى لو كان الثمن هو هذا التعب اليومي تحت الشمس وفي المياه.

تم نسخ الرابط