عاجل

سُئل فيلسوف: ماذا تفعل لو كنت ملكًا؟ قال: لا أفعل شيئًا.
ومن الذي يحكم؟ القوانين هي التي تحكم.
هذا يعني أن القانون يضمن سلامة العلاقة بين الأفراد وحكامهم. وإذا ما نظرت إلى الدول المتقدمة، ستجد أن استقرارها مرتهن بدرجة احترام القانون. وكلما كانت العدالة سائدة بين أفراد المجتمع، حكامًا ومحكومين، ارتفعت حالة الرضا وازدادت الطمأنينة. ومن ثم يجري الناس بكل ما فيهم من قوة وموهبة وعلم في سباق نحو الحياة. فلا أحد يمنحهم عطايا، ولا أحد ينتزع منهم حقًا.
عند ذلك، لا ينبغي لأحد أن يهلل حين يرى تطبيق القانون، أو يندد حين لا يعجبه ذلك. فما تملكه من علم وقدرات هو سلاحك في مواجهة الحياة. العدالة تضمن ألا ترتعش الأيدي فتقوى على العمل، وألا تهتز العقول فتبدع وتبتكر، وألا تهتز الثقة في المستقبل فلا ينعدم الأمل.
تحت خيمة العدالة، يتعايش الناس بتناقضاتهم الطائفية والعرقية والقبلية والمناطقية. فلا ترى صدامات المجتمعات المتخلفة، ولا النزاعات البدائية. وقيل إن شارل ديجول قال ذات مرة: إن كان القانون والتعليم بخير، فلا خوف على الوطن.
يمكن للدولة أن تبني وتعبد، لكن المواطن الذي لا يحده قانون يهدم ويبدد. وحين وُضعت القوانين في عصور سحيقة، كان هدفها ضبط فوضى البشر، الذين يميلون بطبعهم إلى الفردية والأنانية. والسلطة كذلك يضبطها القانون حتى لا تكون مطلقة وتتحول إلى مفسدة مطلقة، كما قال اللورد أكتون.
فالإنسان يميل بالفطرة إلى ألا تحده حدود، وألا تحجزه حواجز. وكما قال توماس هوبز، فإن التنظيم هو اختراع إنساني، أي أنه مصنوع وليس فطريًا، كما يرى الفكر الأرسطي. وبما أن فطرة الإنسان هي إدارة الحياة وفقًا لما يملك من قوة، فإن الصراع كان قاسيًا وعنيفًا.
كانت هذه المجتمعات، التي تعتمد على قوة الفرد أو جماعته الضيقة، مجتمعات بدائية لم تنجز شيئًا يبقى. وحين جاء التنظيم، كما في مصر القديمة وبابل واليونان، أصبح هناك إبداع وفنون وهندسة وطب، وأصبحت هناك حضارة.
وحين وجد التنظيم، وجدت له سلطة ترعاه وتعمل على تطبيقه وفق عدالة ساطعة، وكان هذا هو الدور الذي تقوم به السلطة، أي أن وظيفتها رعاية وصون التنظيم "القانون". لذلك مُنحت القوة التي تكفل لها الحزم والعزم في التطبيق، وأن تكون وحدها من يملك القوة حتى لا يأتي من ينازعها في هدم التنظيم، ومن ثم عدم الاستقرار. وعلى ذلك نشأ المجتمع السياسي، ومن هنا جاءت السيادة.
القانون ينظم العلاقات والمعاملات والواجبات بين الكيانات والأفراد. وإذا كان فريدريك نيتشه قد اعتبر القانون "أمرًا وإكراهًا"، فهذا يعني أن السيادة لا تتم إلا حين يخضع الجميع للنظام، الذي هو بمثابة اتفاق بين الأطراف جميعًا.
وكما هو معروف، فإن الاستثناء يلغي القانون؛ لأنه يخلق تمييزًا، والتمييز يخلق احتقانًا، والاحتقان يخلق عدم رضا، وعدم الرضا يخلق الفوضى.
مرّ القانون في الدول المتحضرة، قديمها وحديثها، بثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي الأمر والإكراه، أي إجبار الجميع على الالتزام بالقواعد والأسس. أما المرحلة الثانية فهي أن يتقبل الناس هذا الأمر حتى يعتادوا السير وفق الضوابط القانونية، بحيث تصبح المخالفة أمرًا مستهجنًا حتى لو سنحت الفرصة لارتكابها. ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الأخلاق، حيث يتحول احترام النظام وعدم هدم أسس التنظيم إلى جزء من القيم الأخلاقية للأفراد. لذلك تجد مجتمعات تعتبر إلقاء المخلفات في الشارع عارًا، أو كسر إشارة المرور سلوكًا مشينًا.
وحين تصل القواعد والقوانين في مجتمع ما إلى مرتبة الأخلاق، فاعلم أنه مجتمع بلغ درجة عالية من الحضارة؛ لذلك يبدع بلا حدود، وينتج بلا توقف، ويبتكر بلا خوف، لأن الإنسان فيه يشعر أن حقوقه مصونة، وأن مستقبله محمي بالقانون والعدالة.

تم نسخ الرابط