لم يعد الجدل داخل بعض الأوساط الأزهرية مقتصرا على قضايا العلم والدعوة ووسائل التعليم، بل امتد في السنوات الأخيرة إلى تفاصيل لم تكن يومًا محل اهتمام كبير، تتعلق بشكل العمامة نفسها وطريقة لف شالها وهيئتها العامة. فظهرت أنماط جديدة للعمائم تختلف في ارتفاعها وحجمها وطريقة تشكيل الشال الملفوف حولها، حتى أصبح بعض المتابعين قادرين على التمييز بين صاحبها من النظرة الأولى، لا من خلال علمه أو مكانته، وإنما من خلال شكل العمامة التي يرتديها.
الظاهرة بدأت تدريجيًا ثم انتشرت بصورة لافتة بين عدد من قراء القرآن والمبتهلين، حيث اتجه البعض إلى لف الشال الأبيض بطريقة هندسية متدرجة تشبه ما يعرف في عالم الخياطة بـ"البيليسيه"، مع زيادة ملحوظة في ارتفاع العمامة وحجمها، بينما حافظ آخرون على الشكل التقليدي المعروف داخل الأزهر لعقود طويلة. ومع الوقت، أخذت هذه الفوارق الشكلية تكتسب دلالات غير مكتوبة، فأصبح هناك من يرى أن هيئة معينة للعمامة تدل على قارئ للقرآن، بينما تشير هيئة أخرى إلى عالم أو دارس أزهري.
والمثير للدهشة أن هذه التصنيفات لم تصدر عن جهة رسمية، ولم يعرفها التراث الأزهري في تاريخه الطويل، ومع ذلك انتشرت وكأنها قواعد مستقرة أو أعراف واجبة الاتباع. بل إن بعض الشباب أصبحوا يتعاملون معها باعتبارها جزءًا من هوية المهنة أو المكانة، رغم أن الأزهر لم يعرف يومًا تمييزًا بين أبنائه على أساس شكل العمامة أو طريقة لف الشال.
ويقال أن وراء هذه الموجة مصالح تجارية واقتصادية أكثر منها اعتبارات مهنية أو تراثية. فكلما ظهرت هيئة جديدة للعمامة أو طريقة مختلفة للف الشال، ازدادت الحاجة إلى تفصيل نماذج جديدة لدى صانعي العمائم وموردي مستلزمات الزي الأزهري. ويرى أصحاب هذا الرأي أن بعض محاولات التطوير الشكلي قد تكون مدفوعة بالرغبة في خلق موضات متجددة تضمن استمرار الطلب والتربح تحت لافتة الحداثة والتجديد، وإن كانت هذه الرؤية تظل في إطار ما يثار من تساؤلات ولم تثبتها وقائع معلنة.
و بعيدا عن صحة هذه التفسيرات أو خطئها، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من الذي قرر أن هيئة العمامة يمكن أن تكون معيارا للتفريق بين قارئ وعالم؟ ومتى أصبح شكل الشال الملفوف حول الرأس دلالة على المكانة العلمية أو الوظيفية؟
لقد عرف الأزهر الشريف عبر تاريخه بأن العلم وحده هو معيار التقدير. فالعالم يُعرف بعلمه، والقارئ يُعرف بإتقانه وأدائه، ولم يكن الناس في يوم من الأيام يفتشون في ارتفاع العمامة أو عدد طيات الشال أو طريقة تشكيله حتى يحددوا مكانة صاحبه.
وعبر التاريخ كانت العمامة كانت ولا تزال الركن الأساسي في الزي الأزهري، باعتبارها رمزا للعلم والوقار والانتماء إلى مؤسسة عريقة تجاوز عمرها الألف عام. وقد شهد شكلها بعض التطورات الطبيعية عبر العصور، لكنها ظلت محتفظة بوظيفتها الأساسية باعتبارها رمزا جامعًا لأبناء المؤسسة، لا وسيلة للتفرقة بينهم.
والخوف الحقيقي ليس من اختلاف في الذوق أو تنوع محدود في الهيئة، وإنما من ترسيخ ثقافة تجعل المظهر بديلاً عن الجوهر، وتمنح الرموز الشكلية قيمة أكبر من القيمة العلمية، فحين يبدأ الناس في قراءة العمائم أكثر من قراءة أصحابها، يصبح الطريق ممهدا لظهور طبقات وتصنيفات جديدة لا تستند إلى علم ولا إلى تاريخ.
فالعمامة الأزهرية اكتسبت هيبتها على مدى قرون من ارتباطها بالعلماء والمصلحين وحفاظ القرآن وحملة المعرفة، لا من طريقة لف الشال ولا من ارتفاعها أو اتساعها. ولهذا يبقى السؤال مطروحًا: هل نحن أمام تطوير حقيقي للزي الأزهري، أم أمام ثقافة جديدة تحاول صناعة الفوارق بالمظهر بعدما كان العلم وحده كافيا للتعريف بأصحابه؟