عاجل

أتقنت ولله الحمد نطق اللغة العربية من مصدرين مهمين، ساقني الله إليهما وسقاني منهما ترياق حب اللغة العربية: المصدر الأول وهو القرآن الكريم في الأزهر الشريف قبل خمسة وأربعين عاماً حتى صرت الناطق الرسمي بالقرآن الكريم في القرية منافساً لشيخ كبير اسمه الشيخ زكريا -رحمة الله عليه وطيب ثراه- من خلال إقامة الشعائر الدينية والنداء إلى الصلاة عبر مكبر الصوت أو فوق سطح المسجد عندما كانت تنقطع الكهرباء، وكثيراً ما كانت. وفي المعهد كنت المسؤول الأول عن الإذاعة المدرسية في طابور الصباح كل يوم، وقراءة القرآن مجوداً في الحفلات لحسن صوتي وقتها والحمد لله ثانياً.

وبعدها بخمس سنوات أتقنت نوعاً آخر من القراءة وهو قراءة الجورنال، والفضل في المرحلتين على التوازي بعد الله عز وجل يعود إلى أبي -بارك الله في عمره وصحته- فقد حرص على أن أحفظ القرآن الكريم جيداً وكان يجعلني أقرأ القرآن في وجود العائلة ويسجل لي على مسجل شرائط سانيو، وكان يفرد الجورنال على رجله ولا أنسى أصبعه الشريف الذي كان يشير به على كل كلمة لأقرأها خلفه حتى أصبحت أنتظر وصول الجورنال أو أفتش عنه خلف مسند الكنبة في غرفة الجلوس ذات الشبابيك الشيش، أو نستعير جورنال من أحد متعلمي القرية فعددهم لم يكن بالكثير في ذلك الوقت، حتى صار لي اهتمامي الخاص بالأعمدة الصحفية ومنها على سبيل المثال لا الحصر: "مواقف" أنيس منصور، و"نص كلمة" يقولها أحمد رجب، و"فكرة" مصطفى أمين، و"فلاح كفر الهنادوة" مصطفى حسين، و"الولد الشقي" محمود السعدني مع حفظ كل رائد بلقبه، ولازمني ذلك حتى جاءت مرحلة الجامعة ومتابعة كتاب المقالات.

ولعل ميلاً إلى متابعة مثل هذا النوع من الصحافة المقروءة -الوسيلة الأهم في ذلك الوقت لبناء الثقافة والوعي والهوية الثقافية لتنوعها وغناها بقامات ثقافية وصحافية ندر وجودها- لعل هذا الميل استقبلته نفسي بأفضلية إلا في حدود ضيقة؛ نفسي التي تميل إلى الاختصار والسرعة. ولا أخفي سراً -فكثيرون يعلمون ذلك- أني أعاني بسببهما إما باصطدام بعقول تهوى التفاصيل والتكرار فلا تفهم ما أكتب أو ما أقول، أو بنتيجة غير مرضية نتيجة الخطى السريعة المتسرعة أحياناً.

ولعل ميلي هذا أيضاً جعلني أجد في بعض وسائل التواصل الاجتماعي سبيلاً لمعرفة كل ما يدور حولي، وهنا تظهر مشكلة أخرى تتمثل في تكدس الذهن بأمور كثيرة منها الغث ومنها السمين، والكلام عنها يطول؛ فالأرقام تقول إن حوالي ثلثي العالم يستخدمون هذه الوسائل التي تاه الغرض منها بين أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات.

هل خُلِقَت للتواصل حقاً؟ أم أنها ساعدت فيه كما ساعدت على القطيعة والتباعد حتى بين أفراد الأسرة الواحدة؟ أم هل خلقت لتبادل الآراء حول قضية أو ظاهرة أو أمر ما؟ أم للتناحر والتراشق ومحاولة كل طرف إثبات صحة رأيه وموقفه مهما كلفه ذلك من وقت وجهد؟ وهل خلقت للتسلية؟ أم لضياع العمر أمام شاشة صغيرة ترافق البعض حتى في أكثر الأماكن خصوصية؟ أم خلقت لنشر نجاحات وفتح سوق جديد للعمل؟ أم نصب وادعاء واستعراض؟

"هي كل هذا وأكثر، وفيها الشيء وضده".

البشر في القراءة والكتابة مذاهب؛ منهم من يهوى السرد، ومنهم من يهوى الاختصار، ومنهم من كان يهوى قراءة صفحات الوفيات، فالمذاهب كثيرة وليس في أحدها نقصان لا سمح الله. النقصان يظهر فقط إذا أصبح كل مذهب يرى أنه هو المثقف بأمره والعارف بما بين السطور دون أي مبرر.

"أكتب هنا لمن يريد أن يقرأ ما هو أكثر من مجرد (سطري البوست)، دون أن يشترط أن يعرفني أو أن يكون صديقاً لي، فيكتفي بمقابلة ما كتبته بعلامة إعجاب أو قلب أحمر دون أن يقرأ. 

وإذا كانت الجرائد قد اختفت بالفعل، فإن القراءة هي وقود كل كتابة، وهو الوقود الذي يجب أن يبقى دائماً."

تم نسخ الرابط