عاجل

يمثل أصحاب المعاشات شريحة عظيمة من أبناء الوطن أفنوا أعمارهم في العمل وخدمة الدولة والمجتمع لعقود طويلة قد تمتد إلى 35 أو 40 عامًا ساهموا خلالها في بناء المؤسسات وتعليم الأجيال وحماية الوطن وإدارة مرافقه المختلفة. وعندما تنتهي رحلة العمل ويصل الإنسان إلى سن التقاعد، يتطلع إلى حياة مستقرة وآمنة تضمن له الكرامة والراحة بعد سنوات طويلة من العطاء.
لكن الواقع الذي يعيشه كثير من أصحاب المعاشات يفرض تحديات كبيرة. فهناك من قضى أكثر من 36 عامًا في الخدمة ثم يجد نفسه يتقاضى معاشًا لا يتجاوز الحد الأدنى وهو مبلغ قد لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الغذاء والدواء والكهرباء والغاز والمياه. وتزداد المعاناة عندما يكون المتقاعد ما زال يتحمل مسؤوليات أسرية، مثل استكمال تعليم الأبناء أو تجهيز البنات للزواج أو مساعدة الأبناء في بدء حياتهم العملية.
ولا تقتصر المشكلة على الجانب المالي فقط، بل تمتد إلى الجانب الصحي أيضًا. فمع التقدم في العمر تزداد الحاجة إلى الرعاية الطبية المستمرة وإجراء الفحوصات الدورية والحصول على الأدوية والعلاج المناسب. وهنا يصبح العبء مضاعفًا عندما يلتهم العلاج جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة الشهري.
إن قضية أصحاب المعاشات ليست مجرد قضية أرقام أو موازنات مالية، بل هي قضية عدالة اجتماعية وتقدير لمن قدموا سنوات عمرهم في خدمة الوطن. ومن ثم فإن هناك مجموعة من الحلول التي يمكن أن تسهم في تحسين أوضاعهم المعيشية، في مقدمتها رفع الحد الأدنى للمعاشات بصورة تتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، وربط الزيادات السنوية بمؤشرات تكلفة المعيشة لضمان الحفاظ على القوة الشرائية للمعاش.

كما يمكن التوسع في برامج الحماية الاجتماعية المخصصة لكبار السن، وتقديم تخفيضات حقيقية على فواتير الكهرباء والمياه والغاز لأصحاب المعاشات محدودي الدخل، إلى جانب توفير وسائل نقل عامة مخفضة أو مجانية لكبار السن.

وفي المجال الصحي، من الضروري تعزيز خدمات التأمين الصحي لأصحاب المعاشات، وتوفير الأدوية الأساسية بأسعار مدعومة، وإنشاء برامج للفحص الطبي الدوري المجاني للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة. كما يمكن التوسع في إنشاء نوادٍ ومراكز اجتماعية وثقافية ورياضية تساعدهم على ممارسة حياة صحية ونشطة.
أما على مستوى التغذية فينبغي نشر برامج توعية غذائية تساعد كبار السن على اختيار وجبات صحية ومتوازنة تعتمد على الخضروات والفواكه والبروتينات المناسبة مع توفير مبادرات لدعم السلع الغذائية الأساسية لهذه الفئة.
إن تكريم أصحاب المعاشات لا يكون بالكلمات فقط، بل من خلال سياسات وإجراءات عملية تضمن لهم حياة كريمة وآمنة. فهؤلاء هم من بنوا الحاضر ومن حقهم أن يعيشوا مستقبلهم بكرامة وطمأنينة وأن يشعروا بأن الوطن الذي خدموه لم ينسَ فضلهم وعطاءهم

تم نسخ الرابط