عاجل

في زمن الذكاء الاصطناعي.. اليابانيون يعيدون الحياة للورق من جديد

اليابان
اليابان

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي باعتبارها مستقبل صناعة المحتوى، تشهد اليابان ظاهرة لافتة تتمثل في عودة الاهتمام بالمطبوعات الورقية المستقلة ومجلات "زين" اليدوية، في محاولة لاستعادة العلاقة الإنسانية المباشرة بين المبدع والقارئ.

فداخل أحد مصانع الطباعة بمدينة كيوتو، حيث تختلط رائحة الحبر بأصوات الآلات الدوارة، تابع فنانان لحظة خروج عملهما الفني مطبوعًا على صفحات الصحف، في مشهد يعكس تمسك شريحة متزايدة من اليابانيين بسحر الورق رغم هيمنة العالم الرقمي.

ما هي مجلات "زين"؟

يُستخدم مصطلح "زين" لوصف المجلات والمنشورات المستقلة التي ينتجها أفراد أو مجموعات صغيرة بعيدًا عن دور النشر التقليدية.

وغالبًا ما تصدر هذه المطبوعات بكميات محدودة، وتتناول موضوعات شخصية أو فنية أو ثقافية متخصصة.

ورغم بساطة هذه المنشورات، فإنها أصبحت في السنوات الأخيرة مساحة إبداعية مفتوحة تتيح للمؤلفين والفنانين التعبير بحرية عن أفكارهم بعيدًا عن قيود النشر التجاري.

الورق يخاطب الحواس الخمس

يرى المصور الياباني كازوما أوبارا أن المطبوعات الورقية تمنح تجربة مختلفة تماماً عن المحتوى الرقمي.

ويقول إن الورق "يخاطب الحواس الخمس"، موضحًا أن تجربة لمس الصفحات وتقليبها واستنشاق رائحة الحبر تمنح القارئ ارتباطاً أعمق بالمحتوى مقارنة بما تقدمه الشاشات.

أما الكاتب "أكيهيكو موري" فيعتقد أن القارئ يستطيع أن يشعر بشغف المبدع من خلال العمل المطبوع نفسه، معتبرًا أن هذا النوع من التواصل الإنساني يصعب على تقنيات الذكاء الاصطناعي محاكاته.

الإبداع المستقل يزدهر

تأتي هذه الظاهرة في وقت تواجه فيه صناعة النشر اليابانية تحديات كبيرة.

فقد انخفضت مبيعات الكتب والمجلات إلى نحو 40% فقط من مستوياتها القياسية المسجلة خلال تسعينيات القرن الماضي، كما تراجع توزيع الصحف إلى أقل من نصف ما كان عليه قبل نحو ثلاثة عقود.

وتسعى بعض المؤسسات الصحفية إلى التكيف مع هذا الواقع من خلال فتح مطابعها أمام الفنانين والمبدعين لإنتاج أعمال مستقلة، ما يمنح معدات الطباعة استخدامات جديدة بعد تراجع الطلب التقليدي على الصحف.

الذكاء الاصطناعي يدفع البعض للعودة إلى الورق

في الوقت الذي يتخوف فيه كثير من الكتّاب والناشرين من تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الإبداع، يبدو أن هذه المخاوف أسهمت بشكل غير مباشر في تعزيز الاهتمام بالمطبوعات اليدوية.

فالكثير من الشباب باتوا يبحثون عن تجارب أكثر واقعية وأقل خضوعًا للخوارزميات التي تتحكم في ما يظهر على منصات التواصل الاجتماعي.

وتقول الشابة "هارومي كيكوتشي"  إن الخوارزميات تقدم للمستخدمين عادة المحتوى الذي يتوافق مع اهتماماتهم المسبقة، بينما تتيح معارض "زين" فرصة لاكتشاف أفكار ورؤى مختلفة ومتنوعة للعالم.

سوق متنامية رغم هيمنة التكنولوجيا

وعلى الرغم من التراجع العام في قطاع النشر التقليدي، فإن سوق النشر الذاتي في اليابان تشهد نموًا متسارعًا.

فبحسب تقديرات بحثية نقلتها وسائل إعلام يابانية، بلغت قيمة سوق النشر الذاتي نحو 150 مليار ين خلال السنة المنتهية في مارس 2026، وهو ما يمثل تقريبًا ضعف حجم السوق قبل أربع سنوات فقط.

المكتبات تتكيف مع الواقع الجديد

ولم تقتصر الظاهرة على الفنانين والمبدعين، بل امتدت إلى المكتبات الكبرى التي بدأت تخصص أقساماً كاملة لمجلات "زين" بهدف جذب جمهور جديد.

ويؤكد مسؤولو بعض المكتبات أن القراء أصبحوا يبحثون بشكل متزايد عن محتوى متخصص يخاطب اهتماماتهم الشخصية، وهو ما توفره هذه المجلات المستقلة بصورة أفضل من كثير من الإصدارات التقليدية.

البحث عن شيء ملموس

بالنسبة للكثيرين في اليابان، لا يتعلق الأمر بالحنين إلى الماضي بقدر ما يتعلق بالحاجة إلى تجربة إنسانية ملموسة وسط عالم رقمي متسارع.

وتقول الرسامة "واتاشي كيشينو"  إن التكنولوجيا قادرة على إنتاج كميات هائلة من المحتوى، لكن امتلاك شيء حقيقي يمكن لمسه باليد يمنح شعورا مختلفا لا يمكن استبداله.

ورغم التوسع المستمر للذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، يعتقد المدافعون عن المطبوعات الورقية أن الورق ما زال يحتفظ بميزة لا يمكن تقليدها بسهولة: الدفء الإنساني الذي يشعر به القارئ عندما يمسك كتابًا أو مجلة بين يديه، ويعرف أن وراءها شخصًا حقيقيًا أراد أن يروي قصته للعالم.

تم نسخ الرابط