عاجل

تسعة عقود من صياغة الوعي العربي؛ حكاية وطن كُتِبَت بقلم من عاش الحلم بالصوت والصورة وصاغت وجدان أمة بأكملها.

"من مبنى الشريفين" في الحادي والثلاثين من مايو يمثل المحور الأبرز في تاريخ الإعلام العربي؛ انطلاق (الإذاعة المصرية الرسمية) أول إذاعة حكومية رسمية تنطلق في العالم العربي، فهو التاريخ الذي يحمل رداء "عيد الإعلاميين" المزدان بذكرى انطلاق أول بث رسمي للإذاعة المصرية عام 1934 والتي أقرته جامعة الدول العربية بناءً على قرار مجلس وزراء الإعلام العرب. وفي لفتة تاريخية تعيد للأذهان ريادة الإعلام الوطني، جاءت الانطلاقة الجديدة لبرنامج التوك شو الضخم "من ماسبيرو" في بثه المباشر الأول على شاشة القناة الأولى بهذا التاريخ، ليربط الحاضر الرقمي بجذور الميكروفون الأول؛ تلك الجذور التي تشرفتُ شخصيًّا بملامستها والوقوف عند مهدها التاريخي الأول عبر ميكروفون إذاعة القاهرة الكبرى العريقة.

لم يكن التاريخ بالنسبة لي مجرد سطور تُقرأ في الكتب، بل تجسد واقعًا حيًّا ونبضًا ملموسًا حين تشرفت بدخول مبنى الإذاعة القديمة بـ "شارع الشريفين"، ذلك الصرح العريق الذي انطلقت منه أول إشارة بث إذاعي في مصر. هناك، وفي تلك الردهات العتيقة التي تفوح بعبق الأصالة، تملكتني قشعريرة مهيبة وأنا أخطو نحو الأستوديو التاريخي.

وحين جلستُ بكل فخر وهيبة أمام مايك الإذاعة المصرية، شعرت بدقات قلبي تتسارع هلعًا وإعجابًا؛ فالمايك ذاته نقل صوت عظماء الأمة ومفكريها وصانعي وجدانها. تساءلت في نفسي حينها: "كم من فكرة غيرت مجتمعًا، وكم من صيحة حررت عقولاً خرجت من هذا الصندوق المعدني الصغير؟". كانت تلك اللحظة بمثابة ولادة جديدة لي؛ حيث انصهرت مهابة المكان بمسؤولية الكلمة، وتيقنت أن الوقوف خلف هذا الميكروفون ليس مجرد مهنة، بل هو أمانة ومسؤولية تجاه وطن وشعب، وصك انتماء حقيقي لمدرسة إعلامية قادت وعي أمة بأكملها.

انطلق من ذلك المبنى العتيق بالشريفين، وفي تمام الساعة الخامسة والنصف من مساء ذلك اليوم المشهود من عام 1934، شق الإذاعي العظيم أحمد سالم صمت الأثير بجملته الخالدة التي لا تموت: "هنا القاهرة" معلنًا ميلاد الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية. وافتتحت الإذاعة إرسالها بآيات من القرآن الكريم بصوت قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، تلاها غناء كوكب الشرق أم كلثوم، وقصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي ألقاها الشاعر علي الجارم، ثم شدو الموسيقار محمد عبد الوهاب. هذا التنوع الثقافي والفني منذ الساعات الأولى جعل من الإذاعة المصرية منبرًا للفكر والأدب والفن الرفيع، ومنحها ريادة إقليمية مطلقة صاغت الهوية الفكرية للمنطقة العربية بأسرها وعنوان الثقافة والإبداع.

وامتدادًا لهذه الجذور العريقة، جاء اختيار موعد إطلاق برنامج "من ماسبيرو" على شاشة القناة الأولى ليحمل دلالة رمزية بالغة الأهمية، بمشاركة قامات إعلامية بارزة وصانعي تاريخ كضيوف شرف الحلقة الافتتاحية: سناء منصور، هالة أبو علم، محمود سعد، وأسامة كمال. ويأتي هذا التكريم بحفاوة الاستقبال من جيل الشباب مقدمي البرنامج أصحاب الأداء المميز والحضور الراقي، هم خير مثال لإعلامنا المصري الوطني، يجب نذكرهم بالاسم: مريم أمين، رامي رضوان، جومانا ماهر، وأحمد سمير.

"من ماسبيرو" أعاد لنا الشعور بالقناة الأولى؛ روح الشاشة الوطنية التي وعينا عليها وفتحنا عيوننا ببرنامج "صباح الخير يا مصر" الذي شكل هويتنا وترك بصمة لا تمحى في تشكيل وجداننا وارتباطنا بملامح الوطن. فمنذ الصغر وتتر المقدمة الشهير هو صوت الصباح الحقيقي لوطننا، ومنبر الثقافة والمعرفة والبهجة حتى الآن، أحرص على متابعته وأطمئن بسماع هذا التتر. وهذا الارتباط الروحي والوجداني يراودني دومًا حلم أنني من مقدمي البرنامج، نعم إنها أمنية وحلم الكثير من جيلنا.

ومع صياغة مفهوم متجدد لبرامج "التوك شو"، نجد أن "من ماسبيرو" له نفس الروح والطابع الأصيل ليكمل مسيرة بناء الوعي وصياغة الوجدان المصري. إنه ليس مجرد برنامج حواري تقليدي، بل هو الجسر الحي الذي يصل مدرسة الرعيل الأول التي انطلقت من الشريفين بأدوات العصر الرقمي السريع والحديث في ماسبيرو.

ويتعاظم دور وأهمية هذا البرنامج من خلال القامات الإعلامية الكبيرة المشاركة في الحلقة الافتتاحية، والذين يمثل كل منهم مدرسة إعلامية قائمة بذاتها؛ وكأن ظهورهم عبر برنامج "من ماسبيرو" يحمل لنا رسالة ملؤها الأمل والثقة إلى جيل الإعلاميين الشباب؛ إن التطور التكنولوجي، وسرعة منصات التواصل، وتعدد الشاشات، كلها أدوات مذهلة، لكنها تفقد قيمتها وجدواها إن لم تسكنها "روح الميكروفون الأول". هذه الأسماء والقامات التي تعلمنا منهم ثوابت هذه المهنة وتم سردها كذكريات من سنين جهدهم وعلمهم وخبراتهم، ظهرت كوصايا وكأنهم يسردون لنا بردية مصرية، فالإعلام كما فعل "الحكيم إني":

"ألا تجعلوا السبق الإعلامي يسبق الصدق المهني، وأن تتذكروا دائمًا أن الكلمة التي تخرج منكم تبني عقولاً أو تهدمها".

"حافظوا على هذا الإرث العظيم، واجعلوا من شاشة ماسبيرو بوصلتكم، فأنتم حراس الوعي القادم، وبأيديكم تظل راية الإعلام المصري عالية ورائدة".

ولأن الربط بين عبقرية البدايات عام 1934 والإنتاج البرامجي الحالي يثبت للعالم أجمع أن الإعلام المصري قد يمرض لكنه لا يموت، وأن روح الميكروفون الأول تظل دائمًا تلهم الأجيال للحفاظ على الهوية والثقافة العربية، وامتدادًا لهذه الجذور العريقة، جاء اختيار الكاتب الصحفي والإعلامي المبدع محمود التميمي ليكون هذا العمل تحت قيادته؛ كان ذلك بتكليف من رئيس الهيئة الوطنية للإعلام الكاتب الصحفي والإعلامي أحمد المسلماني. ويعود التميمي إلى بيته الأول بخبرة استثنائية كأحد مؤسسي برنامج "البيت بيتك"، وبتجارب دولية ومؤسسًا لقنوات DMC، بالإضافة إلى مشروعه الثقافي "أرواح في المدينة".

وبعد 3 أشهر من التحضيرات المكثفة بمعايير عالمية وبدعم قيادات ماسبيرو، على رأسهم رئيس الهيئة، والأمين العام مجدي لاشين، ورئيس التلفزيون المخرج محمد الجوهري، ورئيسة القناة الأولى منال الدفتار، وبموسيقى تصويرية لتامر كروان، في رسالة واضحة لاستعادة ريادة الشاشة الرسمية برؤية وطنية احترافية.

وجاء موعد إطلاق برنامج "من ماسبيرو" على شاشة القناة الأولى ليحمل دلالة رمزية بالغة الأهمية ورسائل تحمل معاني الأصالة والتاريخ العظيم؛ بداية من فكرة أن يكون أولى الضيوف الفنانة وعازفة الهارب العالمية المبدعة منال محي الدين، وإبراز دور الهوية المصرية وتراثنا وحضارتنا في آلة الهارب التي توارثها can المصريون عبر العصور من الدولة المصرية القديمة، كما نجحت هذه الآلة في إدخال ألحان الموسيقى الشرقية المصرية والتراثية العربية؛ فإبراز ذلك في أول حلقة للبرنامج ليعبر عن المصريين والعرب بمختلف ثقافتهم وفئاتهم.

كما أنه يجسد مفهوم الإعلام التنموي والخدمي الذي ينطلق "من الناس وإلى الناس" بالتركيز على نبض الشارع والمواطن البسيط، فضلاً عن دور البرنامج الجوهري في استعادة الريادة وإعادة الهيبة للمبنى العريق كمنصة انطلاق أساسية ومدرسة مرجعية في تقديم الفكر والفن والسياسة بمسؤولية وطنية خالصة.

الجدير بالذكر الإشادة بالبرنامج وظهوره بهذا التوقيت يمثل عودة قوية للشاشة الرسمية بروح عصرية تجمع بين الأصالة والتطوير الجاد، والحرص على تقديم محتوى يحترم عقل المشاهد، ويوثق لذاكرة الوطن الفنية والثقافية، مما يؤكد أن القوة الناعمة المصرية ما زالت قادرة على قيادة المشهد الإعلامي العربي وصياغة وجدان الجماهير بكفاءة واقتدار.

ومن واقع تلك التجربة الاستثنائية التي عشتها بين جدران الشريفين، هذا المبنى العظيم، أناشد كل مسؤول على ضرورة عمل برنامج إذاعي قوي "من الشريفين" على غرار "من ماسبيرو"، ولأنه الأصل يحكي سيرة هذا المبنى وما يحمله من ذكريات وطنية وأهم البرامج وكنوز المكتبة الإذاعية.

وتبرز الضرورة القصوى للحفاظ على مبنى الشريفين العتيق، ليس فقط كجدران شاهدة على الماضي، بل كصرح أثري وثقافي حي يحمل جينات الريادة المصرية؛ إن إبراز دور هذا المبنى يتطلب تحويله إلى متحف قومي تفاعلي للإعلام العربي، ومركز إشعاع ثقافي يحتضن ورش عمل شباب الإعلاميين، ليتنفسوا فيه عظمة البدايات ويستلهموا منه قدسية المهنة.

إن هذا التحرك هو صيانة لإرث الإذاعة التي لم تكن يوماً مجرد وسيلة إعلامية مرّ عليها الزمن، بل هي شريان الحياة للوعي، والرفيق الوفي الذي يخترق الحدود ليخاطب الوجدان ويحرك الخيال الإنساني بـ "سلطان الكلمة المسموعة"؛ فقد ظلت الإذاعة، وستبقى، الأداة الأسرع لنشر المعرفة، وحائط الصد الأول لصيانة الهوية الوطنية، والمدرسة المجانية التي صهرت عقول الشعوب وبنت وعي الأمم بدفء الصوت وصوت الصدق.

تم نسخ الرابط