عاجل

تشريح لظاهرة الغش.. محمد المهدي يقدم قراءة نفسية واجتماعية لفيلم «برشامة»

الدكتور محمد المهدي
الدكتور محمد المهدي

قدم الدكتور محمد المهدي، أستاذ علم الاجتماع قراءة تحليلية لفيلم «برشامة»، معتبرًا أن العمل يتجاوز حدود الكوميديا الاجتماعية ليقدم تشريحا نفسيا ومجتمعيا عميقا لظاهرة الغش وما تعكسه من أزمات قيمية وأخلاقية داخل المجتمع.

وقال محمد  المهدي، عبر حسابه على «فيس بوك»، إن الفيلم يضع المشاهد داخل قاعة امتحانات تتحول إلى نموذج مصغر للوطن، حيث تتصارع القيم ويتراجع الضمير، بينما تتحول الغاية إلى ما هو أهم من الوسيلة، ويصبح الغش ثقافة جماعية بدلًا من كونه سلوكًا فرديًا منحرفًا.

وأشار إلى أن أخطر ما يكشفه الفيلم هو التشوه المعرفي لدى بعض الشخصيات، حيث لم يعد الغش يُنظر إليه باعتباره خطأ أخلاقيًا، بل باعتباره «شطارة» أو «ضرورة اجتماعية»، موضحا أن الطالب لم يعد يشعر بالذنب لأنه مقتنع بأن الجميع يفعل الشيء نفسه وأن النجاح يتحقق بالتحايل أكثر مما يتحقق بالعلم.

وأضاف أن الفيلم يكشف كذلك عجز المنظومة التعليمية والرقابية عن مواجهة الظاهرة، ويتجسد ذلك في شخصيات المراقب ومدرس اللغة العربية اللذين تعرضا للضغوط والتهديد، بما يعكس حالة من الانهيار المؤسسي أمام نفوذ أصحاب المصالح.

وأوضح المهدي أن العمل يرصد أيضا انهيار مفهوم التربية داخل الأسرة، من خلال الأب الذي يشارك في تسهيل الغش لابنه بدلًا من غرس قيم الاجتهاد والاعتماد على النفس، معتبرًا أن هذه الصورة تعكس انتقال الفساد من مستوى الفرد إلى مستوى التنشئة الاجتماعية.

وتوقف أستاذ الطب النفسي عند مشهد استغلال المسجد في تسهيل الغش، مؤكدا أن الفيلم لا ينتقد الدين بقدر ما يفضح التدين الشكلي الذي يفصل بين العبادة والأخلاق، ويكشف كيف يمكن توظيف المقدس لخدمة ممارسات فاسدة.

كما أشار إلى أن الفيلم يقدم الغش باعتباره ظاهرة عابرة للأجيال، حيث تظهر مختلف الفئات العمرية متورطة فيه، وهو ما يعكس مدى تغلغل الظاهرة داخل المجتمع، لافتًا إلى وجود نزعة عدائية تجاه الشخصيات المتمسكة بالنزاهة، إذ ينظر إليها باعتبارها تهديدًا للجماعة لا نموذجًا إيجابيًا يُحتذى به.

وأشاد المهدي بالمعالجة الفنية للفيلم، موضحا أن حصر معظم الأحداث داخل لجنة امتحان واحدة منح العمل كثافة نفسية عالية، وجعل القاعة تبدو كمختبر اجتماعي يكشف حقيقة البشر تحت الضغط، في ظل حالة من التوتر والخوف والسعي المستمر للنجاة.

وأكد أن من المفارقات التي يرصدها الفيلم أن الشخصيات تبذل جهدا كبيرا في ابتكار وسائل الغش والخداع، وهو الجهد الذي كان يمكن أن يحقق نجاحًا حقيقيًا لو وُجه نحو الدراسة والتعلم، مشيرًا إلى أن الأزمة الحقيقية ليست في نقص الذكاء بل في سوء توجيه الطاقات.

واختتم المهدي تحليله بالتأكيد على أن «برشامة» نجح في تقديم مرآة نفسية واجتماعية تكشف كيف يتحول الغش من سلوك فردي إلى ثقافة عامة، وكيف يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية عندما تصبح الشهادة أهم من العلم، والنجاح الشكلي ومن بناء الإنسان الحقيقي.
 

تم نسخ الرابط