في السياسة، لا تأتي التهديدات الكبرى من فراغ، ولا تقال الكلمات الثقيلة مصادفة؛ وحين يذكر اسم دولة مثل سلطنة عمان داخل خطاب أمريكي غاضب، وحين يقترن اسمها بمضيق هرمز في لحظة اشتعال إقليمي مفتوح على كل الاحتمالات، فإن الأمر يتجاوز حدود تصريح عابر أو انفعال سياسي مؤقت، ليدخل مباشرة في إطار إعادة رسم الخرائط، وتوزيع الأدوار، وفرض الوقائع الجديدة على المنطقة.
إن سلطنة عمان لم تكن يومًا دولة صدام، ولم تُعرف عبر تاريخها السياسي الحديث باعتبارها طرفًا في الاستقطابات الحادة، بل بنت مكانتها الإقليمية على الهدوء، وعلى سياسة التوازن الدقيق، وعلى قدرتها الاستثنائية في البقاء داخل المشهد دون أن تنزلق إلى معاركه المباشرة؛ ولهذا تحديدًا يبدو وضعها اليوم لافتًا ومثيرًا للتأمل، لأنها انتقلت فجأة من موقع الوسيط إلى دائرة الضغط، ومن مساحة الحياد إلى مربع الاستهداف السياسي المباشر.
القراءة المتأنية للخطاب الأمريكي الأخير تكشف أن ما يجري لا يتعلق فقط بمضيق هرمز باعتباره ممرًا بحريًا استراتيجيًا، رغم أهميته الاستثنائية للاقتصاد العالمي وحركة الطاقة الدولية، وإنما يرتبط بما هو أوسع من الجغرافيا وأكثر تعقيدًا من الملاحة. المضيق هنا ليس مجرد ممر مائي، بل عنوان لمعركة نفوذ كبرى تدور فوق مياه الخليج وتحت خرائط السياسة الدولية، بين مشروع أمريكي يريد تثبيت الهيمنة الأمنية الكاملة على الممرات البحرية، ومشروع إقليمي مضاد يحاول إعادة تعريف موازين القوة في المنطقة بعيدًا عن المظلة الأمريكية التقليدية.
خلف هذا المشهد البحري والعسكري، يبرز سؤال سياسي أكثر عمقًا: لماذا عمان تحديدًا؟ ولماذا الآن؟
الإجابة تبدو مرتبطة بجملة تحولات متزامنة تشهدها المنطقة، في مقدمتها الحرب المفتوحة بين إسرائيل وإيران، والتصعيد الأمريكي المتواصل في الخليج، ومحاولات إعادة إحياء مسار التطبيع الإقليمي في توقيت بالغ الاضطراب؛ هنا يصبح الموقف العماني مصدر إزعاج سياسي لواشنطن وتل أبيب معًا، ليس لأن مسقط تملك مشروع مواجهة، ولكن لأنها رفضت الانضمام إلى مشروع الاصطفاف.
عمان ظلت لسنوات طويلة واحدة من آخر العواصم العربية التي تمسكت بمسافة سياسية واضحة من مسار التطبيع الكامل، وحافظت في الوقت نفسه على خطاب داعم للحقوق الفلسطينية، وعلى رؤية تعتبر أن الاستقرار لا يبدأ من الاتفاقات الأمنية بقدر ما يبدأ من العدالة السياسية، وأن تجاوز القضية الفلسطينية تحت أي مسمى لن يصنع سلامًا حقيقيًا مهما كثرت التفاهمات المعلنة؛ ومن هنا يمكن فهم جانب من حدة الخطاب الأمريكي تجاه مسقط.
إن واشنطن لا تنظر فقط إلى عمان باعتبارها دولة مطلة على مضيق حساس، وإنما باعتبارها دولة خارج السياق المطلوب أمريكيًا في لحظة تسعى فيها الإدارة الأمريكية إلى بناء مشهد إقليمي جديد قائم على تحالفات أمنية معلنة، ومسارات تطبيع ممتدة، وترتيبات نفوذ تربط أمن الخليج مباشرة بالمشروع الإسرائيلي في المنطقة.
اللافت أن سلطنة عمان لم تعارض واشنطن من باب المواجهة، بل من باب الثبات على منطقها السياسي التقليدي القائم على التهدئة والحوار ورفض الحرب، لكنها في لحظة الاستقطاب الحاد تصبح حتى الدعوة إلى التهدئة موقفًا سياسيًا مزعجًا، ويصبح الحياد نفسه محل اشتباه، ويصبح الوسيط طرفًا بمجرد أنه لم ينخرط في المعركة وفق الإيقاع المطلوب؛ لذلك تتجلى المفارقة الكبرى؛ فالدولة التي كانت لعقود قناة خلفية للحوار بين واشنطن وطهران، وممرًا دبلوماسيًا لعبور الرسائل والتفاهمات الصعبة، تجد نفسها اليوم في قلب العاصفة، وكأن المنطقة لم تعد تسمح بالمساحات الرمادية، وكأن الجميع مطالبون بإعلان مواقعهم بوضوح تحت سقف الاستقطاب الجديد.
إن ما يحدث حول عمان يعكس في جوهره أزمة أوسع يعيشها الشرق الأوسط اليوم؛ أزمة تتعلق بمن يملك القرار في الإقليم، ومن يحدد قواعد الملاحة والسياسة والتحالف، ومن يرسم شكل المنطقة المقبلة بعد سنوات من الحروب والانهيارات وإعادة التموضع.
ولهذا فإن المسألة ليست عمان وحدها، وليست مضيق هرمز وحده، بل تتعلق بمستقبل الإقليم نفسه، لأن أي تصعيد عند هذا الممر البحري لن يبقى داخل حدوده الجغرافية الضيقة، بل سيمتد سريعًا إلى أسواق النفط والطاقة العالمية، وإلى خرائط التجارة الدولية، وإلى معادلات الأمن الإقليمي بأكملها، في دلالة واضحة على أن الرسالة الأمريكية الأخيرة تتجاوز مسقط لتصل إلى كل العواصم الخليجية والعربية، حاملة مضمونًا مفاده: لا ترتيبات خارج الإرادة الأمريكية، ولا تفاهمات كبرى خارج المظلة التي ترسمها واشنطن، ولا إعادة توزيع للأدوار دون موافقة القوة الدولية الأكثر حضورًا في مياه الخليج. غير أن المنطقة تغيرت كثيرًا، ولم تعد تدار بالمنطق القديم ذاته؛ فهناك قوى إقليمية صاعدة، ومصالح متشابكة، وتحولات دولية كبرى تجعل فرض المعادلات بالقوة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
وبين المضيق الذي يحمل النفط إلى العالم، والسياسة التي تحمل المنطقة إلى المجهول، تقف سلطنة عمان اليوم في لحظة اختبار دقيقة؛ لا لأنها تبحث عن مواجهة، بل لأنها تحاول أن تبقى كما كانت دائمًا.. دولة تفضل الحوار حين يذهب الآخرون إلى الحرب، وتحاول حماية التوازن حين ينشغل الجميع بكسره، وفي الشرق الأوسط، كثيرًا ما يكون ثمن التوازن أعلى من ثمن الانحياز.