من يطالع بعض وسائل الإعلام، وكذا بعض مواقع التواصل الاجتماعي، يجد أناسًا يتطاولون على الأزهر ويهاجمونه هجومًا عنيفًا لدرجة بات سقوط هذه المؤسسة وتحطيم رمزيتها لدى مسلمي الداخل والخارج هدفًا لبعض أصحاب المصالح!
هؤلاء الذين يتماهون مع الهجوم الدائم على الأزهر وشيخه، بما يعني أن إسرائيل تعلم قوة وتأثير شيخ الأزهر أكثر من هؤلاء المتعلمنين. وهؤلاء أيضًا أشداء فقط على الإسلام وشعائره، ولا يجرؤ أحدهم أن يتكلم عن نشأة العلمانية وسببها المباشر وإلا وقع تحت طائلة قانون الازدراء، ولا يجرؤون على نقد المزاعم الإبراهيمية أو ممارسات الصهاينة المتلفحة بالتلمود وتفسيراته الخزعبلية.
تقول تلك النخب إنها علمانية، لكن كتاباتها وكلامها تنضح بالطائفية والفتنة والتحريض، وتردد مقولات غير صحيحة، وآخرها ما تردده بعض الأبواق عن نفي أي دور للأزهر في مشروع قانون الأحوال الشخصية. فإذا كان تمسك الأزهر باختصاصه الدستوري يقال عنه إنه دولة داخل الدولة، فهذا يعني أن البرلمان هو الدولة داخل الدولة! لكن القراءة الصحيحة هي أن من أعطى البرلمان سلطة التشريع هو نفسه الدستور الذي أعطى الأزهر الاختصاص في كل ما له صلة بالدين. وهل الكنائس دولة داخل الدولة لأنها وضعت قانونها بنفسها؟ وهؤلاء يتناسون عن عمد طبيعة العلاقة بين المؤسسات الدينية والدولة المدنية الدستورية الحديثة، وحدود كل منهما في المجال التشريعي.
وأخطر ما في الحملة الضارية على الأزهر أنها تتيح الفرصة كاملة لامتداد الجماعات الموازية للدولة الموازية في المجال الإسلامي، وهذا ما نعاني منه الآن. حين يضعف أو ينهار الإسلام المؤسسي ممثلاً عندنا في الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، والطرق الصوفية، فإننا بذلك نفسح المجال لجماعات تنصب نفسها متحدثة باسم الإسلام لتكتسب شرعية أمام المواطنين وتكتسب أنصارًا جددًا، وتقيم محاكم التفتيش للمواطنين وتبتز المجتمع في عواطفه ومشاعره الدينية؛ وهذا ما عانينا منه طوال العقود الأخيرة، تحديدًا منذ نهاية السبعينيات.
وليس جديدًا أن تنطلق حملات معادية للأزهر، وليس جديدًا أن تُسلط العلمانية سهامها، وأن تتكاتف مع كل من يحقد على الدين ويحارب الملة، لمحاولة هدمه وإيقاف مسيرته. ولمَ لا يفعلون وهم يدركون أن الأزهر حمى الوسطية في العالم بأسره، فحافظ على نقاء التدين، ووسطية الفهم، وحافظ على هوية الأمة قرونًا؟! لمَ لا يفعلون وقد اتسعت آماد الأزهر، وتنوعت أمداده، وبلغ خيره الآفاق، وصار قبلة يتوجه إليها طلاب العلم من شتى أصقاع الأرض؟!
ما لا يعرفه "المتعالون" بصلف وعنجهية على الأزهر، أن زعيم ثورة 19 التي أسست للطبقة الوسطى من الأفندية والبكاوات -التي كان لها دور اجتماعي قاد قاطرة التنوير في مصر، ومتقدمة بخطوات على طبقة النبلاء في أوروبا- هو ابن الأزهر.
لو كان الأزهر في أي دولة أخرى لسعى هؤلاء يتوددون له، ولكن لا كرامة لأزهر في وطنه!