الإنترنت في اليمن.. خدمة متدهورة وشكاوي من تبخر الباقات خلال أيام قليلة
في وقت يشهد فيه الاقتصاد الرقمي العالمي توسعا متسارعا باعتباره أحد أهم أدوات التنمية وتحسين جودة الحياة، تحول استخدام الإنترنت في اليمن إلى عبء اقتصادي متزايد يثقل كاهل المواطنين، مع تصاعد الشكاوى من الاستنزاف السريع لباقات الإنترنت وارتفاع تكلفتها مقارنة بمستوى الخدمة المتدني.
وبرزت خلال الأشهر الأخيرة ظاهرة وصفها مستخدمون بـ"النزيف الرقمي" لباقات “يمن نت”، في إشارة إلى النفاد المتسارع للبيانات خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول كفاءة الخدمة وشفافية احتساب الاستهلاك.
استنزاف متسارع للباقات
يقول أحمد عبدالله، أحد مشتركي خدمة “يمن نت”، إنه اضطر خلال شهر واحد فقط إلى شحن أربع باقات إنترنت، تبلغ سعة الواحدة منها 24 غيغابايت، إلا أن أيًّا منها لم يصمد لأكثر من أربعة أيام.
وأوضح في تصريحات صحفية أنه حاول تقليص عدد المستخدمين داخل المنزل، وتحديد ساعات تشغيل جهاز المودم، إلى جانب تطبيق ما وصفه بـ"سياسة تقشف رقمي"، لكن دون جدوى.
وأشار إلى أن الباقة نفسها كانت تكفيه سابقا لمدة شهر كامل رغم الاستخدام المكثف نسبياً، بينما أصبحت اليوم تُستنزف خلال أيام معدودة، رغم ترشيد الاستهلاك بشكل كبير.
فجوة بين الخدمة والتكلفة
ووفق شهادات متطابقة جمعها مراسل “العين الإخبارية”، فإن معدلات استهلاك الباقات ارتفعت بصورة لافتة، إذ باتت بعض الباقات تُستهلك بما يقارب ثلاثة أضعاف المعدلات السابقة.
وقال أحد المستخدمين إن باقته الشهرية كانت تكفي لمدة شهر كامل مع بقاء رصيد إضافي، لكنها حاليا تنفد خلال فترة قصيرة جدا، واصفا الأمر بأنه "غير طبيعي".
وأضاف أنه اتخذ عدة إجراءات لتأمين الشبكة، شملت إخفاء الاتصال اللاسلكي وتحديث جهاز المودم واستبداله بجهاز أحدث، إلا أن المشكلة استمرت دون أي تحسن ملموس.
ويؤكد عدد من المشتركين أن حجم استهلاك البيانات قد يتجاوز 13 جيجابايت في يوم واحد فقط، وهو معدل يثير الاستغراب مقارنة بطبيعة الاستخدام المعتاد داخل المنازل.
بنية تحتية متهالكة
وقال موظف في قطاع الاتصالات بصنعاء إن المشكلة تعود إلى "الفجوة الكبيرة بين الباقات المطروحة واحتياجات المستخدم الفعلية"، موضحا أن العروض الحالية لا تتناسب مع دخل المواطن اليمني ولا مع طبيعة الاستخدام الرقمي الحديث.
وأضاف أن بعض الشركات ما تزال تقدم باقات صغيرة للغاية، مثل 250 ميغابايت، رغم أن جلسة تصفح واحدة قد تستهلك أكثر من 750 ميغابايت، ما يولد شعورا لدى المستخدم بأن الرصيد ينفد بصورة غير مبررة.
وتشير تقارير متخصصة إلى أن تكلفة الإنترنت في مناطق سيطرة الحوثيين تُعد من بين الأعلى عالمياً، بمتوسط يبلغ نحو 15.68 دولاراً، مقابل جودة خدمة متدنية وسرعات بطيئة للغاية.
وبحسب ذات التقارير، فإن متوسط سرعة الإنترنت الفعلية في اليمن يبلغ نحو 1.3 ميغابت في الثانية، ما يضع البلاد ضمن أبطأ دول العالم في خدمات الإنترنت، ويُعزى ذلك إلى تهالك البنية التحتية وعدم تحديثها منذ سنوات نتيجة الحرب.
اتهامات بـ"سرقة الباقات"
ومع استمرار تراجع جودة خدمات الإنترنت، تصاعدت اتهامات لمليشيات الحوثي بالوقوف وراء ما يصفه المستخدمون بـ"سرقة الباقات"، في إطار ما يعتبره مراقبون استغلالاً لقطاع الاتصالات كمصدر تمويل رئيسي.
ويقول خبراء إن جماعة الحوثي تستخدم قطاع الاتصالات ليس فقط لتحقيق أرباح مالية ضخمة، بل أيضا كأداة للرقابة والتجسس، في ظل غياب أي رقابة مستقلة أو شفافية حول الإيرادات وآلية إدارة القطاع.
مورد مالي ضخم
من جانبه، أكد خبير الاقتصاد بجامعة عدن الدكتور سامي نعمان أن قطاع الاتصالات يُعد أحد أبرز الموارد المالية في اليمن، في ظل غياب بيانات رسمية دقيقة تكشف حجم الإيرادات الحقيقية.
وأوضح أن التقديرات المتداولة تشير إلى أن إيرادات القطاع تتراوح سنويا بين 290 و600 مليون دولار، يأتي الجزء الأكبر منها من شركات الاتصالات ورسوم التراخيص والضرائب، إضافة إلى جبايات أخرى تُفرض خارج الأطر الرسمية.
وأضاف أن السيطرة على شركة “يمن موبايل”، باعتبارها أكبر شركة اتصالات في البلاد، تمنح الجهات المسيطرة نفوذاً مباشراً على سوق يتجاوز عدد مشتركيه 18 مليون خط.
وأشار إلى أن كل عملية شحن أو استخدام للخدمة تمثل مورداً مالياً إضافياً، ما يجعل قطاع الاتصالات أحد أهم مصادر الدخل في اليمن، وسط استمرار غياب الشفافية والرقابة على إدارة هذه العائدات.



