القاهرة لاعب التهدئة الأبرز.. تفاصيل دور مصر لمنع انفجار الشرق الأوسط |خاص
وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتشابك ملفات الصراع في الشرق الأوسط، من المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى الهواجس الأمنية لدول الخليج، يبرز الدور المصري باعتباره أحد أكثر الأدوار الإقليمية اتزانًا وقدرة على التحرك في المساحات المعقدة بين التصعيد والتهدئة.
فالقاهرة، التي تمتلك إرثًا طويلًا في إدارة الأزمات والوساطات السياسية، تتحرك وفق مقاربة تقوم على الحفاظ على استقرار المنطقة ومنع انزلاقها نحو مواجهات مفتوحة قد تهدد أمن الإقليم بأكمله، مستندة في ذلك إلى شبكة علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وخبرة دبلوماسية تراكمت عبر عقود من التعامل مع الملفات الأكثر حساسية في المنطقة.
في البداية أكد الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن مصر تمتلك رصيدًا كبيرًا من الثقة لدى مختلف الأطراف الإقليمية، فضلًا عن خبرتها الطويلة في إدارة الأزمات واحتواء الصراعات، وهو ما يؤهلها للعب دور محوري في تقريب وجهات النظر بين إيران ودول الخليج.
القاهرة يمكن أن تتحرك عبر قنوات دبلوماسية هادئة
وأشار إلى أن القاهرة يمكن أن تتحرك عبر قنوات دبلوماسية هادئة، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة، لتشجيع الحوار وبناء تفاهمات تدريجية تركز على الملفات الأمنية والاقتصادية، بما يسهم في تعزيز فرص الاستقرار الإقليمي.
وأضاف فرحات أن الدور المصري لن يقتصر فقط على الوساطة، بل سيمتد إلى دعم أي ترتيبات إقليمية جماعية تهدف إلى تحقيق الاستقرار، خاصة في ظل التحديات المشتركة التي تواجه المنطقة، مثل أمن الطاقة، وحماية الممرات الملاحية، ومكافحة الإرهاب.
وشدد على أن المرحلة الحالية تمثل اختبارًا حقيقيًا لجميع الأطراف، فإما أن يتم استثمار فرصة وقف الحرب لبناء نظام إقليمي أكثر توازنًا واستقرارًا، أو العودة مجددًا إلى دائرة التصعيد التي أثبتت فشلها في تحقيق الأمن لأي طرف.
وفي السياق ذاته، أكد فرحات أن مستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية بعد وقف الحرب سيظل مرهونًا بمدى قدرة الأطراف المعنية على الانتقال من مرحلة التهدئة المؤقتة إلى بناء مسار مستدام للثقة المتبادلة، موضحًا أن وقف العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب التوتر، بل يمثل فرصة لإعادة تقييم السياسات وتغليب الحلول الدبلوماسية.
العلاقات بين إيران ودول الخليج
وأوضح أن العلاقات بين إيران ودول الخليج شهدت خلال السنوات الماضية مستويات غير مسبوقة من التوتر نتيجة تراكمات سياسية وأمنية، في مقدمتها التدخلات الإقليمية، والملف النووي، والهجمات التي استهدفت منشآت حيوية، وهو ما يجعل إعادة بناء هذه العلاقات عملية معقدة تحتاج إلى ضمانات واضحة وآليات رقابة فعالة تضمن عدم تكرار تلك التهديدات.
وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن طهران ستكون مطالبة خلال المرحلة المقبلة بتقديم مبررات وتفسيرات مقنعة بشأن الاستهدافات التي طالت بعض دول الخليج، إلى جانب اتخاذ خطوات عملية تعكس حسن النية، مثل الالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام سيادة الدول، والدخول في ترتيبات أمنية إقليمية تضمن الاستقرار الجماعي.
وأضاف أن أي محاولة لتجاوز هذه الملفات دون معالجتها بشكل جذري قد تؤدي إلى عودة التوتر سريعًا، مؤكدًا أن تحقيق الاستقرار الدائم يتطلب معالجة الأسباب الحقيقية للصراع وليس الاكتفاء بالتهدئة المؤقتة.
من جانبه أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن الدور الذي تلعبه الدولة المصرية في الإقليم والعالم العربي يتسم بدرجة عالية من الوضوح والاتزان والاتساق، مشيرًا إلى أن هذا الدور لا يقوم على ردود الأفعال أو التحركات اللحظية، وإنما يستند إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى قوامها الهدوء والعقلانية والثقة في القيادة السياسية المصرية، إلى جانب ما وصفه بـ"الثقل التاريخي والاستراتيجي" للدولة المصرية في محيطها الإقليمي.
رصيد متراكم من المصداقية السياسية والدبلوماسية
وأوضح البرديسي أن مصر تمتلك ما يمكن وصفه بـ"رصيد متراكم من المصداقية السياسية والدبلوماسية"، وهو رصيد لم يتشكل في لحظة أو أزمة بعينها، وإنما عبر عقود طويلة من الانخراط الفاعل في قضايا المنطقة، سواء عبر الوساطات السياسية أو المفاوضات أو إدارة الأزمات المعقدة، مؤكدًا أن هذا التراكم في المصداقية هو الذي منح القاهرة هذا الوزن الخاص في ملفات المنطقة، وجعلها طرفًا محوريًا في جهود تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة، سواء في أزمة الحرب الأمريكية الإيرانية أو في مراحل سابقة، بما في ذلك ما يتعلق بترتيبات ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وكذلك في مختلف محطات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، أو حتى في إدارة التباينات داخل البيت الفلسطيني نفسه.
وأضاف أن مصر لم تكن يومًا طرفًا يبحث عن مكاسب دعائية أو حضور إعلامي في إدارة الأزمات، وإنما كانت تتحرك دائمًا من منطلق تحقيق الاستقرار الحقيقي وتثبيت التهدئة ومنع الانزلاق نحو الفوضى، وهو ما جعل دورها محل تقدير من أطراف دولية وإقليمية متعددة.
وأشار إلى أن من بين أهم عناصر القوة المصرية في هذا السياق موقعها الجغرافي الفريد، وارتباطها المباشر بالملف الفلسطيني عبر معبر رفح، إضافة إلى الأعباء التاريخية والسياسية التي تحملتها الدولة المصرية على مدار عقود طويلة، فضلًا عن مشاركتها في حروب ومفاوضات شاقة ومعقدة، سواء في الصراع العربي – الإسرائيلي أو في إدارة الخلافات الفلسطينية الداخلية.
التجربة الطويلة أكسبت الدبلوماسية المصرية خبرة نادرة
ولفت خبير العلاقات الدولية إلى أن هذه التجربة الطويلة أكسبت الدبلوماسية المصرية خبرة نادرة في التعامل مع الملفات شديدة التعقيد، وجعلتها قادرة على إدارة التوازنات الدقيقة بين الأطراف المختلفة عبر مقاربات سياسية لا يجيدها إلا من يمتلك تراكمًا تاريخيًا وخبرة مؤسسية عميقة، موضحًا أن القوة المصرية لا تقتصر على البعد الجغرافي أو السياسي فقط، وإنما تشمل أيضًا القوة البشرية والعسكرية والقوة الناعمة، إلى جانب دبلوماسية رصينة استطاعت أن تبني شبكة علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية والإقليمية.
وأكد البرديسي أن الدبلوماسية الرئاسية التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي أسهمت في فتح قنوات اتصال واسعة مع مختلف الأطراف شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا، بما عزز من مكانة مصر كفاعل رئيسي في النظام الإقليمي والدولي، وساهم في تعزيز فرص التهدئة في أكثر من ملف ساخن.
كما تطرق إلى طبيعة العلاقات الدولية في المنطقة، موضحًا أن العلاقات الشخصية بين القادة قد تلعب دورًا مساعدًا في تسهيل بعض الملفات، إلا أن الأساس الحقيقي يظل قائمًا على المصالح الاستراتيجية للدول، وليس على الاعتبارات الشخصية وحدها.
وفيما يتعلق ببعض التصريحات المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أشار فيها إلى أطراف وصفها بـ"الدجالين" في سياق بعض الأزمات الإقليمية، قال البرديسي إن مثل هذه التصريحات يمكن فهمها في إطار سياسي واسع، وقد تعكس انتقادات لمن يحاولون جني مكاسب دون تحمل أعباء أو مسؤوليات حقيقية، سواء على مستوى التمويل أو المشاركة الفعلية في إدارة الأزمات.
وحذر من الحملات المتصاعدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدًا أنها أصبحت أحد أخطر أدوات الصراع غير المباشر في المنطقة، وأن كثيرًا منها يتم توظيفه بشكل مدروس ومخطط له بهدف إثارة البلبلة وإحداث فجوات بين الدول العربية، لا سيما بين مصر وبعض الدول الشقيقة في الخليج.
حروب إدراك ووعي
وتابع أن هذه الحملات "لا تعمل بشكل عفوي"، وإنما تتحرك في إطار ما وصفه بـ"حروب إدراك ووعي"، تستهدف ضرب الثقة بين الشعوب والأنظمة وإثارة الشكوك المتبادلة، مشيرًا إلى ضرورة التعامل معها بوعي سياسي وإعلامي متقدم، وعدم الانجرار وراء محتوى غير موثق أو موجّه.
وشدد على أن أحد أهم أهداف هذه الحملات هو محاولة تفكيك الصف العربي وإضعاف التنسيق الإقليمي عبر بث الفتنة وإثارة الخلافات، مؤكدًا أن مواجهة ذلك تتطلب تعزيز الوعي العام، وتحصين المجال الإعلامي، وتبني خطاب عقلاني يرسخ الاستقرار بدلًا من الصدام.
وفي سياق متصل، أكد البرديسي أن نجاح أي مسار للتهدئة أو التوصل إلى اتفاقات دائمة في المنطقة، سواء بين القوى الإقليمية أو الدولية، يتوقف بالأساس على وجود إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المتصارعة، وعلى رأسها واشنطن وطهران، إلى جانب قدرتها على إعادة صياغة العلاقات على أسس جديدة قائمة على المساواة والاحترام المتبادل والالتزام بقواعد القانون الدولي وعدم المساس بالسيادة الوطنية للدول.
وأشار إلى أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون وقف دعم الميليشيات المسلحة، واحترام مؤسسات الدول الوطنية، والابتعاد عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول، معتبرًا أن هذه المبادئ تمثل حجر الأساس لأي نظام إقليمي مستقر.
ودعا خبير العلاقات الدولية إلى تبني مقاربة عربية أكثر واقعية تقوم على "وحدة الرؤى" بدلًا من طرح فكرة الوحدة السياسية الشاملة، التي وصفها بأنها لم تحقق نتائج عملية في السابق، مؤكدًا أن تحقيق تقدم حقيقي يمكن أن يتم عبر تنسيق المواقف وتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري بين الدول العربية.
وأوضح أن هذا النوع من التكامل التدريجي من شأنه أن يمهد لاحقًا لتقارب سياسي أوسع، ويخلق شبكة مصالح مشتركة تسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتقليل فرص التصعيد والصراع.
واختتم البرديسي تصريحاته بالتأكيد على أن مصر تمتلك رؤية استباقية في قراءة المشهد الإقليمي، مشبهًا دورها بـ"زرقاء اليمامة" التي ترى ما لا يراه الآخرون، مشيرًا إلى أن كثيرًا من التحذيرات التي أطلقتها القاهرة قبل سنوات بشأن اتساع رقعة الصراع في المنطقة باتت اليوم واقعًا ملموسًا، وأن مصر بما تمتلكه من خبرة تاريخية ورؤية استراتيجية لا تتحرك برد الفعل، وإنما تقدم مقاربات سياسية تستشرف المستقبل، وهو ما يجعلها أحد أهم أعمدة الاستقرار في المنطقة العربية.
وفي سياق متصل أكد الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، أن الدبلوماسية المصرية تلعب دورًا مهمًا في تقريب وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، كما طرحت مبادرات لتعزيز التعاون العربي المشترك وبناء منظومة أمن إقليمي بين الدول العربية، إلا أن هذه الجهود لم تكتمل بالشكل المطلوب في حينه.
إعادة إحياء فكرة العمل العربي المشترك بصورة أكثر فاعلية
واعتبر الرقب أن المرحلة الحالية تستدعي إعادة إحياء فكرة العمل العربي المشترك بصورة أكثر فاعلية، بما يضمن تحقيق توازن استراتيجي في المنطقة ويحول دون تراجع الدور العربي أمام التفاعلات الإقليمية والدولية.
وشدد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس على أن إعادة بناء الثقة بين إيران ودول الخليج لن تكون سريعة، بل قد تمتد لسنوات طويلة، في ظل ما وصفه بـ"الشرخ العميق" الذي خلفته التطورات الأخيرة، ما يتطلب تحركًا عربيًا منظمًا ورؤية استراتيجية طويلة المدى لتجاوز تداعيات المرحلة الراهنة.
العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي تعرضت لاهتزازات
وفي السياق ذاته، أكد الرقب أن العلاقات بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي تعرضت لاهتزازات عميقة خلال التصعيد العسكري الأخير، مشيرًا إلى أن استهداف طهران لعدد من الدول العربية يُعد تطورًا خطيرًا ستكون له انعكاسات ممتدة على مستقبل العلاقات الإقليمية.
وأوضح أن تعرض دول مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين لأي استهداف في ظل وجود قواعد عسكرية أجنبية أسهم في توسيع فجوة الثقة بين الجانبين، مؤكدًا أن مثل هذه التحركات تُلحق ضررًا مباشرًا بعلاقات الجوار وتزيد من تعقيد المشهد السياسي في المنطقة.
وأشار إلى أن مرحلة ما بعد الحرب ستتطلب جهودًا دبلوماسية مكثفة لإعادة بناء جسور الثقة، موضحًا أن مسار التقارب الذي استمر لسنوات قبل التصعيد الأخير تعرض لانتكاسة حادة خلال فترة وجيزة من المواجهات، وهو ما سينعكس على مواقف دول الخليج تجاه إيران خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن التطورات الأخيرة ستدفع نحو إعادة صياغة المواقف الخليجية والعربية بشكل أوسع بعد فترة من التهدئة النسبية، مؤكدًا أهمية بلورة رؤية عربية موحدة للتعامل مع التحديات الإقليمية المتصاعدة.
ودعا الرقب إلى ضرورة تنويع الشراكات والتحالفات الدولية وعدم الاعتماد بشكل كامل على الولايات المتحدة الأمريكية، مشددًا على أهمية توسيع دوائر الانفتاح تجاه قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا، بما يحقق توازنًا أكبر في العلاقات الخارجية للدول العربية ويعزز استقلالية القرار السياسي.