التطبيع مقابل التهدئة مع إيران.. هل تدخل المنطقة مرحلة المقايضة الكبرى؟|خاص
تعود “اتفاقيات أبراهام” إلى واجهة المشهد السياسي في الشرق الأوسط مجددًا، لكن هذه المرة في ظل تعقيدات إقليمية غير مسبوقة ترتبط بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية، والتصعيد العسكري، والتحفظات الإسرائيلية المتزايدة تجاه أي تفاهمات محتملة مع طهران.
ويرى خبراء ومحللون سياسيون أن إعادة طرح ملف التطبيع في هذا التوقيت لا تنفصل عن محاولات أمريكية لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية وطمأنة إسرائيل، عبر ربط ملفات الأمن والطاقة والنفوذ الإقليمي بمسارات السلام والتطبيع، وفي المقابل، تؤكد المواقف العربية تمسكها بربط أي تطبيع شامل بحل عادل للقضية الفلسطينية وإقامة دولة مستقلة، وسط تساؤلات حول مستقبل خريطة التوازنات والتحالفات في المنطقة.
في البداية أكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن التصريحات والتحركات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن أي اتفاق محتمل مع إيران، والتي تتضمن طرح شرط إلزام بعض الدول، من بينها السعودية وتركيا، بالانضمام إلى “الاتفاقيات الإبراهيمية”، تأتي في إطار “مناورات سياسية” تهدف إلى تحقيق مكاسب لصالح إسرائيل قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار مع إيران، خاصة في ظل التحفظات الإسرائيلية على أي اتفاق محتمل والتطورات المتسارعة التي شهدتها الأيام الماضية.
السعودية لا تبدو مستعدة في الوقت الحالي للدخول في مسار التطبيع
وقال فهمي، في تصريحات خاصة، إن السعودية لا تبدو مستعدة في الوقت الحالي للدخول في مسار التطبيع، موضحًا أن الرياض تتمسك بعدد من الشروط الأساسية، أبرزها انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، والاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، فضلًا عن تنفيذ مبادرة السلام العربية.
وأضاف أن لقاء الفيديو كونفرانس الذي جمع قادة وزعماء وملوك الدول العربية حمل رسالة واضحة بشأن أهمية التنسيق العربي المشترك تجاه هذا الملف، مشيرًا إلى أن جزءًا من تحركات ترامب يرتبط بمحاولة احتواء “الحالة الإسرائيلية” والتعامل مع مطالبها في ظل الأوضاع الراهنة.
وأوضح فهمي أن الإدارة الأمريكية تتبع حاليًا استراتيجية “خلط الأوراق”، معتبرًا أن تصريحات ترامب تمس بطبيعة العلاقات العربية الأمريكية، وتسعى لإعادة ترتيب المشهد السياسي في المنطقة بما يخدم المصالح الإسرائيلية.
المواقف العربية واضحة في هذا الإطار
وأشار إلى أنه لا يتوقع تجاوبًا عربيًا مع هذه الطروحات، خاصة في ظل وجود اتفاقيات سلام قائمة بالفعل، مثل اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية وادي عربة، مؤكدًا أن المواقف العربية واضحة في هذا الإطار.
وتابع أن ما يحدث حاليًا يمثل “تلاعبًا بالألفاظ والمواقف” ومحاولة لتحقيق أهداف إسرائيل الكبرى، لافتًا إلى أن المشهد لا يزال مرتبطًا بما وصفه بـ”لعبة المقايضة الكبرى” التي تديرها الولايات المتحدة خلال هذه المرحلة لتنسيق المواقف الإقليمية.
وشدد فهمي على أن التحركات الجارية لن تكون على حساب اتفاقيات السلام القائمة، في ظل استمرار المواجهات العسكرية التي تخوضها إسرائيل، إلى جانب استمرار احتلالها لأراضٍ عربية وفي دول مجاورة.
من جانبه قال الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، إن إعادة طرح فكرة “اتفاقات أبراهام” أو الحديث عن “أبراهام بلس” في هذا التوقيت يعكس حالة من التداخل والخلط بين مسارات سياسية وإقليمية مختلفة، معتبرًا أن الجمع بين مسار التفاوض الأمريكي الإيراني ومسار التطبيع العربي الإسرائيلي قبل اتضاح نتائج التوازنات الإقليمية الحالية يُعد خطوة سابقة لأوانها.
الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها تسعى لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط
وأوضح البرديسي، في تصريحات خاصة، أن المشهد الإقليمي لا يزال يشهد حالة من السيولة وعدم وضوح الرؤية، سواء فيما يتعلق بمفاوضات واشنطن وطهران أو بمستقبل النفوذ الإقليمي والتحالفات الجديدة، مشيرًا إلى أن الحديث عن اصطفافات سياسية جديدة أو توسيع اتفاقات التطبيع في ظل هذه الظروف يمثل نوعًا من القفز قبل اتضاح النتائج النهائية للصراع والتفاوض الجاري في المنطقة.
وأضاف خبير العلاقات الدولية أن الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها تسعى لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جديد، من خلال بناء تحالفات واصطفافات جديدة تتعلق بالأمن والطاقة والسياسة والنفوذ الإقليمي، إلا أن هذه الترتيبات لا تزال غير مكتملة المعالم، وبالتالي فإن الدفع نحو مسارات تطبيع إضافية قبل اتضاح الصورة النهائية يحمل قدرًا كبيرًا من الغموض والمخاطرة السياسية بالنسبة للدول المعنية.
وأشار إلى أن أي حديث عن توسع اتفاقات أبراهام يجب أن يسبقه وضوح كامل بشأن شكل العلاقة المستقبلية بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة فيما يتعلق بملفات النفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، وأمن الممرات الملاحية في المنطقة، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
خرائط القوة والنفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط لم تستقر بعد
وأكد البرديسي أن خرائط القوة والنفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط لم تستقر بعد، موضحًا أن نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية ستحدد إلى حد كبير شكل التوازنات المقبلة، ومن ثم فإن اتخاذ مواقف استراتيجية كبرى قبل اتضاح هذه النتائج قد يضع بعض الدول أمام حسابات غير محسوبة.
وأضاف أن الحديث عن “أبراهام بلس” أو توسيع دائرة التطبيع في الوقت الراهن يبدو وكأنه محاولة لخلق اصطفافات جديدة قبل معرفة الاتجاه النهائي للأزمة، معتبرًا أن ذلك يشبه “القفز في الظلام” في ظل غياب رؤية واضحة للمشهد الإقليمي النهائي.
وأوضح أن القضايا المرتبطة بالنفوذ الإيراني، ومستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، وتأثير ذلك على أمن الخليج والممرات البحرية والطاقة، كلها ملفات مترابطة لا يمكن فصلها عن أي ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة في المنطقة.
واختتم الدكتور طارق البرديسي تصريحاته بالتأكيد على أن أي تحركات إقليمية كبرى، سواء على مستوى التحالفات أو التطبيع أو إعادة توزيع النفوذ، يجب أن تستند أولًا إلى قراءة واضحة لمآلات التفاوض الأمريكي الإيراني، حتى تكون القرارات مبنية على معطيات مستقرة وليست على تقديرات غير مكتملة.
وفي سياق متصل قال الدكتور أيمن الرقب، الأكاديمي والمحلل السياسي الفلسطيني، إن إعادة طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفكرة الاتفاقيات الإبراهيمية في هذا التوقيت يرتبط بشكل مباشر بمحاولة تهدئة الجانب الإسرائيلي، في ظل التسريبات المتداولة بشأن وجود تفاهمات أو اتفاقات قيد النقاش بين الولايات المتحدة وإيران.
مسار الاتفاقيات الإبراهيمية
وأوضح الرقب، في تصريحات خاصة أن الحديث المتكرر عن إمكانية انضمام دول جديدة، مثل المملكة العربية السعودية وقطر وباكستان، إلى مسار الاتفاقيات الإبراهيمية، يأتي في إطار محاولة إرضاء الحكومة الإسرائيلية، التي أبدت تحفظات واضحة تجاه ما يتم تداوله حول طبيعة التفاهمات الأمريكية الإيرانية.
وأضاف أن إسرائيل لم تكن متحمسة لمسار التفاوض الجاري مع إيران، خاصة في ظل ما يتم تسريبه بشأن اتجاه واشنطن نحو حلول وسط في عدد من الملفات الخلافية، مشيرًا إلى أن التسريبات الحالية لا تتحدث عن تسليم كامل لليورانيوم المخصب، ولا عن إنهاء نفوذ إيران الإقليمي أو فك ارتباطها بحلفائها في المنطقة، كما لا تتضمن قيودًا حاسمة على تطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية.
إعادة إثارة ملف الاتفاقيات الإبراهيمية كرسالة طمأنة لإسرائيل
وأكد الرقب أن هذه المعطيات دفعت الإدارة الأمريكية، إلى إعادة إثارة ملف الاتفاقيات الإبراهيمية كرسالة طمأنة لإسرائيل، ومحاولة لاحتواء القلق الإسرائيلي من أي اتفاق محتمل مع طهران قد يُنظر إليه داخل تل أبيب باعتباره لا يحقق كافة المطالب الأمنية الإسرائيلية.
وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية تمتلك موقفًا واضحًا ومعلنًا فيما يتعلق بملف التطبيع، وكذلك الحال بالنسبة لعدد من الدول الإسلامية، موضحًا أن هذه المواقف ترتبط بشكل أساسي بضرورة وجود مسار سياسي حقيقي يضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة قبل الحديث عن أي اتفاق سلام شامل مع إسرائيل.
وأضاف أن المشهد الحالي على الأرض الفلسطينية لا يشجع على الحديث عن سلام أو تطبيع جديد، في ظل استمرار التصعيد داخل الأراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية، إلى جانب غياب أي مؤشرات حقيقية على وجود توجه داخل الحكومة الإسرائيلية الحالية نحو تسوية سياسية مع الفلسطينيين.
وأوضح المحلل السياسي الفلسطيني أن أي حديث عن اتفاقيات سلام جديدة مع دول عربية أو إسلامية، دون وجود اعتراف إسرائيلي واضح بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، سيظل محل رفض أو تحفظ واسع داخل الشارع العربي والإسلامي.
واختتم الدكتور أيمن الرقب تصريحاته بالتأكيد على أن القضية الفلسطينية ما تزال تمثل عنصرًا محوريًا في أي ترتيبات إقليمية تخص السلام أو التطبيع في المنطقة، مشيرًا إلى أن تجاوز هذا الملف أو القفز عليه لن يؤدي إلى استقرار حقيقي أو تسوية دائمة للصراع.
وفي الإطار ذاته أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن إعادة طرح "اتفاقيات أبراهام" في هذا التوقيت الحرج، المتزامن مع تصاعد التوترات والمفاوضات المعقدة مع إيران، يكشف عن محاولة أمريكية يائسة لفرض واقع جديد على المنطقة يعتمد على "المساومة القسرية"، مشددًا على أن هذه المحاولة مصيرها الفشل الذريع؛ لأنها تتجاهل التحولات الجذرية في الوعي السياسي العربي.
وأشار فرحات إلى أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى الاتفاقيات باعتبارها جزءًا من مشهد تفاوضي أكبر يتجاوز فكرة التطبيع نفسها، ويمتد إلى رسم شكل الإقليم خلال المرحلة المقبلة، وربط التهدئة الأمنية بترتيبات سياسية جديدة تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية في آن واحد.
المنطق الأمريكي الحالي يفترض أن دول المنطقة يمكن أن تكون ورقة ضغط ضد إيران
وقال فرحات إن المنطق الأمريكي الحالي يفترض أن دول المنطقة يمكن أن تكون ورقة ضغط ضد إيران عبر التطبيع مع إسرائيل، وهو افتراض خاطئ تمامًا، مؤكدًا أن الإدارة الأمريكية تدرك جيدا المخاطر، لكنها تحاول تحميل دول الخليج والمنطقة فاتورة أمن إسرائيلي بديلًا عن الحل الجذري للقضية الفلسطينية وأن القيادات العربية أدركت أن الانجرار وراء هذا المحور لا يجلب الاستقرار، بل يجعلها هدفا مباشرًا للصواريخ والطائرات المسيرة ردا على أي عدوان، مما يجعل الأمن الوطني العربي هو الأولوية القصوى التي لا تقبل المساومة.
وأضاف أستاذ العلوم السياسية أنه لا يوجد أي منطق يقنع الشعوب والحكومات العربية بتوقيع اتفاقيات تطبيع كشرط لوقف الحرب أو لتهدئة الوضع مع إيران، بينما تبقى الحقوق الفلسطينية مسلوبة موضحًا أن السعودية والدول العربية الكبرى أرسلت رسائل واضحة: لا تطبيع دون حل عادل وشامل واليوم، ومع وصول إدارة ترامب إلى أقصى حدود مطالبها، ترد المنطقة بأقصى حدود ثوابتها، وهو أن يكون هناك اعتراف أمريكي وإسرائيلي بدولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وهذا ليس مطلبًا تفاوضيا قابلا للخفض، بل هو خط أحمر وجودي.
عصر الصفقات الأحادية قد ولى
وتابع فرحات: إذا أصرت الولايات المتحدة وإسرائيل على المضي في خيار الحرب والضغوط العسكرية ضد إيران، فإن دول المنطقة لن تكون شريكًا في هذه المغامرة، بل على العكس، ستجد نفسها مضطرة لاتخاذ موقف حيادي صارم، أو حتى الوقوف في الجانب الآخر دفاعًا عن استقرارها وسيادتها لافتًا إلى أن القرار لم يعد مرتبطًا بإرادة واشنطن أو تل أبيب، بل أصبح قرارًا عربيًا إسلاميًا خالصا يهدف إلى حماية المصالح الوطنية بعيدًا عن الابتزاز.
ولفت أستاذ العلوم السياسية إلى أن عصر الصفقات الأحادية قد ولى، وإما أن تبدأ العملية السياسية بالاعتراف بحقوق الفلسطينيين كأساس لأي استقرار إقليمي حقيقي، وإما أن تتحمل الولايات المتحدة وإسرائيل تبعات استمرار الصراع وانعدام الشرعية الإقليمية لأي اتفاق يُفرض بالقوة.