رغم ما يشكو منه جيلي الخمسيني، وربما الأجيال التي تليه، من مظاهر ضعف الذاكرة لأمور ربما يتاح لنا النظر إليها لاحقاً، إلا أن ثمة مشاهد تأبى الذاكرة أن تمحوها، وتكتفي بوضعها في خانات الذكريات التي تفرض نفسها على ساحة العقل في كل موسم لها.
أتذكر في هذه الأيام المباركة -ونحن في أفضل أيام الدنيا- أتذكر من هذه المشاهد كيف كان الناس في محيطنا الريفي ينظرون إلى الحاج، وكيف كانت أصلاً قيمة هذه الكلمة؛ بداية من انتشار الخبر في البلد (خبر فوز الحاج فلان في قرعة الحج) والفرحة تعم الأجواء، مروراً بتجهيز موكب المودعين، ورسم الكعبة والجمل على حائط البيت الخارجي إعلاناً بطريقة "الجرافيك" عن أن هذا البيت فيه حاج (( انتبه )). وصولاً إلى استقباله استقبال أولياء الله الصالحين، وقد كان وما زال يحرص المعظم على ارتداء ملابس بيضاء رجالاً ونساءً ذهاباً وعودةً.
وأصبح فلان أو الشيخ فلان -بعد رحلة قد تمتد قرابة الشهر- (الحاج فلان)، وكان عيباً كبيراً أن تنادي من حج بأي لقب غير "حاج". وأصبح "الحاج راح الحاج جه"، ومكانته بين الناس ازدادت رفعة، وهناك من كان يحافظ على هذه المكانة ما بقي من عمره، وهناك من كانت تغلب عليه سيرته الأولى. وتمر السنين خلف السنين وتتغير الأحوال في كل شيء، ويبقى هناك شيء مشترك واحد، وهو النية خلف كل لقب يطرأ على المرء منا.
فريضة الحج شرعت كركن من أركان الإسلام الخمسة لتكون في أصلها المشقة البدنية والمادية عاملان مهمان فيهما توافر شرط الاستطاعة، لتبقى النية وحدها التي ترفع البناء إلى أعلى سلم القبول والطهارة، أو تهوي به في ظلام من أشرك غير الله في عبادته. وهنا الفرق شاسع بين الإخلاص والرياء في جوهره وفي مظهره، لا يفصلهما غير خيط رفيع. وفي العبادات ما هو ظاهر يُخشى على مؤديها من الوقوع في جانب الرياء، ومنها ما هو مستتر، وفي كل عبادة استحضار النية بمفهومها الشامل أمان للعبد يغفل عنه كثيراً، وتكون المحصلة الخروج من العبادة بلا قبول ومن العمل بلا جدوى.
تبقى فريضة الحج أساسها أن ينفر الناس من كل فج عميق، يلتقون في مكان واحد، متجهين إلى رب واحد، يلبسون لباساً واحداً، يؤدون مناسك واحدة لحكمة واضحة؛ ما نعلمه منها هو تطهير النفس وعودتها إلى فطرتها لتعود صالحة للاستخدام الآدمي. وما أحوج نفوسنا إلى النقاء! وأشكال الحج إلى الله لمن لم يستطع كثيرة؛ فكل طريق نسعى فيه إلى الخير بنية التعبد إلى الله هو حج ورجوع إلى الله، وكل نبتة صالحة نزرعها في أبنائنا هو حج إلى الله، وكل تيسير على الغير لوجه الله هو حج إلى الله، وكل رحمة بنفسك وبغيرك لوجه الله هي حج إلى الله.
كلنا أو معظمنا -إلا من رحم ربي- يفعل هذا وأكثر، ومنا من يستحضر نيته بنفوذ أو علاقة أو واسطة أو بأي طريقة لا بالتوكل على الله إلى الله، وكل ما نملكه أن نؤدي عبادة أخرى وهي أن نذكر أنفسنا بالحسنى.
فأي ذكي فطن لا يمتثل لهذه الحكمة في مكانها الذي اختاره الله؟ وأي عاقل يضيع على نفسه فرصة كهذه بوعد من الخالق الرحمن بالبراءة مما ارتكب، يترك كل هذا مقابل "الحاج راح الحاج جه"؟
تقبل الله ممن أخلص نيته، وأن يعينه على طهارة نيته ونقاء نفسه ليعود شخصاً نظيفاً ينفع من حوله ويهدينا جميعاً، وكل عام وأنتم بخير. عيدنا مبارك.