خبير مصرفي: أزمة الـATM ليست نقص سيولة بل اختناق لوجستي مؤقت|خاص
أكد الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، أن أزمة نقص السيولة في ماكينات الصراف الآلي (ATM)، التي تصدرت المشهد خلال الأيام الأخيرة، لا تعكس وجود أزمة سيولة حقيقية داخل القطاع المصرفي، وإنما ترتبط بما وصفه بـ”الاختناق اللوجستي المؤقت” الناتج عن تزامن عدة عوامل موسمية وضغوط تشغيلية في وقت واحد.
أزمة زحام الـ ATM جاءت نتيجة نقطة التقاء استثنائية
وأوضح حسانين، في تصريحات خاصة، أن الأزمة الحالية جاءت نتيجة نقطة التقاء استثنائية بين ثلاثة تدفقات مالية واجتماعية متزامنة، تشمل صرف الرواتب والمعاشات بشكل مبكر قبل الإجازات، وارتفاع الاحتياجات النقدية الاستهلاكية المرتبطة بموسم الأعياد، إلى جانب الإغلاق الطويل للبنوك خلال العطلات الرسمية، وهو ما خلق ضغطًا لحظيًا ضخمًا على شبكة ماكينات الصراف الآلي يفوق قدرتها التشغيلية المعتادة.
وأشار إلى أن السبب المباشر لظهور الأزمة بهذه الكثافة يعود إلى الارتفاع المفاجئ في معدلات السحب النقدي خلال فترة قصيرة للغاية، لافتًا إلى أن أحد البنوك الحكومية الكبرى سجل – بحسب تصريحات رسمية – سحوبات تجاوزت 9 مليارات جنيه خلال يومين فقط، وهو ما يعادل ما بين ضعفين إلى ثلاثة أضعاف معدلات السحب الطبيعية اليومية.
وأضاف أن هناك عاملًا تقنيًا ولوجستيًا ساهم في زيادة الضغط مؤخرًا، يتمثل في تطبيق الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لنظام رقمي جديد لإدارة علاقات العملاء (CRM)، وهو ما تسبب في بطء مؤقت لبعض خدمات صرف المعاشات في بعض المحافظات، الأمر الذي دفع أعدادًا كبيرة من أصحاب المعاشات وكبار السن إلى التوجه بشكل مكثف لماكينات الصراف الآلي للحصول على مستحقاتهم النقدية خشية حدوث أي تعطل جديد في الأنظمة الإلكترونية.
وأوضح الخبير المصرفي أن الأزمة الحالية ترتبط أيضًا بعوامل هيكلية داخل منظومة تشغيل ماكينات الصراف الآلي، أبرزها السعة المحدودة للماكينات نفسها، حيث تحتوي الماكينة التقليدية على أربع وحدات تخزين نقدي “كاسيت”، وحتى في حال تعبئتها بالكامل بفئات نقدية كبيرة مثل 200 و100 جنيه، فإن أقصى طاقة استيعابية لها تتراوح بين 600 ألف جنيه إلى نحو 1.1 مليون جنيه فقط.
وأشار إلى أنه في أوقات الذروة، ومع قيام العملاء بسحب الحدود القصوى اليومية، فإن ما بين 200 و300 عميل فقط قد يكونون قادرين على استنفاد السيولة الموجودة داخل الماكينة بالكامل خلال ساعات محدودة، وهو ما يفسر مشاهد نفاد الكاش السريعة رغم تكرار عمليات التغذية.
وأضاف أن جانبًا مهمًا من الأزمة يرتبط كذلك بالفجوة اللوجستية الخاصة بعمليات نقل الأموال، موضحًا أن الماكينات الموجودة خارج الفروع البنكية، سواء في الشوارع أو المراكز التجارية، تعتمد بشكل كامل على شركات نقل الأموال الخاصة، التي تعمل وفق جداول زمنية وعقود محددة.
وأكد أن عملية إعادة تغذية أي ماكينة تمر بعدة مراحل متتابعة تبدأ بإصدار إنذار من النظام المركزي بانخفاض مستوى السيولة، ثم تحرك سيارة نقل الأموال المصفحة، وتأمين خط السير، والوصول إلى الماكينة وإعادة تعبئتها، وهي دورة قد تستغرق وقتًا، خاصة في ظل الزحام المروري أو ضغط الطلب في المواسم.
شركات نقل الأموال التي تتحرك بين المحافظات تحتاج الحالات إلى موافقات أمنية
وأضاف أن شركات نقل الأموال التي تتحرك بين المحافظات تحتاج في بعض الحالات إلى موافقات أمنية مسبقة قبل التحرك، وهو ما قد يؤدي إلى تأخير نسبي في إعادة تغذية الماكينات خارج القاهرة، خصوصًا خلال فترات الأعياد والعطلات الطويلة التي تتضاعف فيها معدلات السحب النقدي.
وأشار حسانين إلى أن سلوك المواطنين نفسه يمثل عنصرًا مؤثرًا في الأزمة، حيث يميل كثير من الأفراد إلى الاحتفاظ بكميات أكبر من النقد قبل الإجازات الطويلة تحسبًا لأي ظروف طارئة، وهو ما يؤدي إلى إرباك نماذج التنبؤ الرياضي التي تعتمد عليها البنوك في إدارة السيولة داخل شبكة الصراف الآلي.
وأوضح أن البنوك تدير هذا الملف من خلال غرف عمليات رقمية متخصصة تعمل على مدار الساعة، حيث تقوم أنظمة المراقبة اللحظية بمتابعة حالة كل ماكينة بشكل مباشر، وتصدر إنذارات مبكرة عندما تنخفض السيولة داخل أي ماكينة إلى أقل من مستوى معين، ليتم إدراجها فورًا ضمن خطط التغذية التالية.
وأضاف أن البنوك تطبق قبل المواسم والأعياد استراتيجيات تغذية استباقية ومكثفة، تشمل زيادة عدد مرات تعبئة الماكينات الحيوية لتصل أحيانًا إلى ثلاث أو أربع مرات يوميًا، مع تخصيص مخزون إضافي من البنكنوت الجديد، نظرًا لأن الأوراق النقدية الحديثة تقلل بشكل كبير من الأعطال الميكانيكية داخل الماكينات.
وأشار إلى أن البنوك تخصص أيضًا فرق صيانة سريعة للتعامل الفوري مع الأعطال الفنية الشائعة، مثل انحشار الأوراق النقدية أو انقطاع الاتصال بالشبكات الإلكترونية، لضمان تقليل فترات توقف الخدمة.
وشدد حسانين على أن الحل الحقيقي للأزمة لا يكمن فقط في زيادة عدد الماكينات أو تكثيف عمليات التغذية، وإنما في تسريع التحول الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد الورقي، عبر التوسع في وسائل الدفع الإلكتروني، والكروت البنكية، وتطبيقات الدفع الفوري.
استراتيجية لتطوير منظومة إدارة النقد وشبكة الصراف الآلي
وطرح الخبير المصرفي استراتيجية متكاملة لتطوير منظومة إدارة النقد وشبكة الصراف الآلي، تقوم على التحول من إدارة الأزمات اللحظية إلى الإدارة الاستباقية القائمة على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
وأوضح أن المحور الأول في هذه الاستراتيجية يعتمد على استخدام أنظمة تنبؤية ذكية تقوم بتحليل أنماط السحب التاريخية لكل ماكينة وربطها بعوامل مثل الموقع الجغرافي ومواعيد صرف الرواتب والأعياد، بحيث يتم إصدار أوامر تغذية استباقية قبل نفاد السيولة بفترة كافية.
وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في التوسع في ماكينات “إعادة تدوير النقد” الحديثة، التي تستطيع استقبال الإيداعات النقدية من الشركات والتجار وإعادة استخدامها مباشرة في عمليات السحب، بما يقلل الاعتماد على سيارات نقل الأموال ويخلق دورة نقدية مغلقة داخل الماكينة نفسها.
وأشار إلى أن المحور الثالث يتضمن تخصيص البنكنوت الجديد بالكامل لماكينات الشوارع خلال المواسم، لأن الأوراق الحديثة تقلل بصورة كبيرة من الأعطال الميكانيكية المرتبطة بانحشار النقود داخل الماكينات، أما المحور الرابع، فيعتمد على تفعيل خدمات السحب النقدي عبر نقاط البيع داخل المتاجر والصيدليات الكبرى، بحيث يستطيع العملاء الحصول على مبالغ نقدية مباشرة من منافذ البيع باستخدام بطاقاتهم البنكية، وهو ما يحول آلاف المتاجر إلى نقاط سحب بديلة تخفف الضغط على ماكينات الصراف الآلي.