عاجل

منارة دينية تحولت إلى سوق عشوائي.. المعهد الديني اغلقت أبوابه أمام التطوير

جانب من عشوائية
جانب من عشوائية سوق المعهد الديني

لم يعد اسم "المعهد الديني" في العصافرة يشير إلى العلم كما كان يومًا، ولا إلى الطلاب الذين كانوا يتوافدون  إليه من محافظات مختلفة طلبًا للدراسة الأزهرية، بل صار الاسم عند كثيرين مرادفًا لسوق عشوائي طويل، وباعة جائلين يحتلون الأرصفة والطرقات، حتى تحولت المنطقة التي كانت قبلة للعلماء والشيوخ إلى واحدة من أكثر البقع ازدحامًا وفوضى شرق الإسكندرية.

المعهد الديني عام ٢٠٠٨
المعهد الديني عام ٢٠٠٨


في الصباح، لا تستيقظ المنطقة على أصوات الطلاب ولا على هدوء حيٍّ سكني طبيعي، بل على صخب الباعة، وصوت عربات الخضار، وروائح تختلط فيها الأتربة بعوادم السيارات ومياه الأمطار الراكدة بين "الباكيات" المصنوعة من الأخشاب والكرتون.

جانب من سوق المعهد الديني 
جانب من سوق المعهد الديني 

 هنا، يبدو المشهد وكأنه تراكم فوق بعضه عبر عقود طويلة، حتى أصبح واقعًا يصعب تغييره، وقبل أكثر من 35 عامًا، كان المعهد الديني بالعصافرة يحمل صورة مختلفة تمامًا. منطقة هادئة نسبيًا، يقصدها طلاب العلم، وتحيط بها هيبة الأزهر والتعليم الديني.

جانب من سوق المعهد الديني 
جانب من سوق المعهد الديني 

 لكن مع مرور السنوات، بدأت ملامح السوق العشوائي تتشكل تدريجيًا، بداية من ظهور "الكارتة" التي يجرها حصان بعربة خشبية تشبه الحنطور، ثم تزايد أعداد الباعة الوافدين من محافظات الصعيد، حتى تمدد السوق شيئًا فشيئًا وفرض نفسه على الشارع بالكامل.

جانب من سوق المعهد الديني 
جانب من سوق المعهد الديني 


ومع الوقت، لم يعد السوق مجرد تجمع مؤقت للباعة، بل تحول إلى مجتمع كامل، وجاء الباعة بأسرهم وأقاربهم، واستقر كثير منهم في المنطقة، حتى أصبح السكان الأصليون يشعرون بأنهم غرباء داخل شارعهم، بينما تكررت الشكاوى دون حلول جذرية تنهي الأزمة.

جانب من سوق المعهد الديني 
جانب من سوق المعهد الديني 


ورغم أن الدولة تتحدث منذ سنوات عن التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، وعن إعادة الشكل الحضاري للمدن والقضاء على العشوائيات، تبدو منطقة المعهد الديني بالعصافرة وكأنها خارج كل تلك الخطط، هنا، لا شيء يوحي بأنك تقف في مدينة ساحلية كبرى تشهد مشروعات قومية ضخمة، بل تشعر وكأن الزمن توقف عند أكثر صوره قسوة وفوضوية.

جانب من سوق المعهد الديني 
جانب من سوق المعهد الديني 


والمفارقة الأكثر إيلامًا أن هذا السوق العشوائي يطل مباشرة على مشروع مترو الأنفاق الجديد بالإسكندرية، أحد أهم المشروعات التنموية التي تعول عليها الدولة لتطوير المحافظة وخلق شكل حضاري حديث يواكب المدن الكبرى، لكن على بعد خطوات من أعمدة المشروع الحديثة، تصطدم بصورة أخرى أكوام خضار متناثرة على الأرض، طرق مغلقة، وباعة يحتلون كل شبر، حتى يصبح المرور من الشارع مغامرة يومية للسكان.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني 
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني 


هنا، تتجسد العشوائية بمعناها الحقيقي، لا كمصطلح يُكتب في التقارير، بل كأسلوب حياة فُرض على الأهالي لسنوات طويلة، مشهد يذكّر كثيرين بفيلم حين ميسرة  للمخرج خالد يوسف بكل ما حمله من صور للتكدس والفوضى وغياب التخطيط، لكن الفارق أن ما يحدث في المعهد الديني ليس مشهدًا سينمائيًا، بل واقع يعيشه الآلاف يوميًا.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني


حتى سائقو التاكسي باتوا يتجنبون الدخول إلى المنطقة، كثير منهم يرفض توصيل الركاب إلى داخل شارع المعهد الديني، ليس خوفًا من الزحام فقط، بل بسبب استحالة المرور وسط الإشغالات والعربات والباعة الذين أغلقوا الطرق بالخضار والفاكهة المفروشة على الأرض وكأنها جزء من ديكور الشارع.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني


ومن شرفة منزلها المطلة مباشرة على السوق، تقف أم فهد حسن يوميًا أمام المشهد نفسه، لا ترى سوى صفوف الباكيات المتلاصقة، بينما تتسلل الروائح إلى داخل شقتها رغم إغلاق النوافذ.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني


وتقول بصوت يملؤه الإرهاق: نفسي الشمس تدخل بيتي تاني.. بقينا عايشين وسط روائح وأتربة طول الوقت وحساسية الصدر بقت حاجة أساسية عندنا !! .
 

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني

وتضيف أن الحياة في المنطقة لم تعد محتملة، خاصة مع استمرار التعديات على الطريق وتراكم المخلفات بشكل يومي، في ظل غياب أي تغيير حقيقي يشعر به السكان.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني


وعلى بعد أمتار، تحاول أم أحمد إبراهيم عبور الشارع بصعوبة وسط الباعة المفترشين للطريق، وتتحدث بغضب واضح وهي تشير إلى الأرصفة المختفية أسفل صناديق الخضار والفاكهة:
قدمنا شكاوى كتير للحي، ومفيش فايدة.. كبار السن مش لاقيين مكان يمشوا فيه هو إحنا مش من حقنا ننزل تحت بيوتنا بشكل طبيعي؟!.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني


وأما أم كريم أسامة، فتصف ما يحدث بأنه "احتلال كامل للشارع"، مؤكدة أن الحملات التي تُنفذ بين الحين والآخر لا تدوم نتائجها طويلًا.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني


أول ما المسؤولين يمشوا، الباعة بيرجعوا تاني كأن مفيش حاجة حصلت.. وكأنهم معاهم تصاريح رسمية، تقولها بسخرية ممزوجة بالغضب.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني


وفي تلك البقعة، يشعر السكان بأن منطقتهم حُرمت من التطوير الحقيقي الذي شهدته مناطق أخرى مطلة على الطرق الرئيسية في الإسكندرية، فلا أرصفة صالحة، ولا سيولة مرورية، ولا مظهر حضاري يعكس حجم المشروعات التي تُنفذ حولها، فقط سوق يتمدد كل يوم، وسكان يزداد إحساسهم بالعزلة داخل منطقة كان من المفترض أن تكون واجهة دينية وتعليمية مهمة في شرق المدينة.

جانب من جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني


وعلى مدار سنوات، ظلت أزمة المعهد الديني واحدة من الملفات المعقدة التي تنتقل من محافظ إلى آخر داخل محافظة الإسكندرية بداية من اللواء طارق المهدي الذي شهد إنشاء الباكيات.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني

 مرورًا بالدكتور عبد العزيز قنصوة، ثم اللواء محمد الشريف الذي قاد عدة حملات لإزالة السوق ونقل الباعة إلى سوق شارع 30، وصولًا إلى الفريق أحمد خالد حسن سعيد والمهندس أيمن عطية، محافظ الإسكندرية الحالي التي  لا تزال الأزمة مطروحة على مكتبه حتى اليوم.


ورغم تعدد المحاولات، يبقى المشهد كما هو تقريبًا؛ شارع مزدحم، وسوق يتمدد كل يوم، وسكان ينتظرون استعادة حيّهم الذي تغيّر وجهه بالكامل.

جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني
جانب من عشوائية  سوق المعهد الديني


وفي المعهد الديني بالعصافرة، لا تبدو الأزمة مجرد إشغالات طريق أو سوق عشوائي، بل حكاية حيٍّ فقد ملامحه القديمة تدريجيًا، حتى صار سكانه يتذكرون الماضي باعتباره الصورة الوحيدة التي تبقت لهم عن المكان.

تم نسخ الرابط