لم يعد خطاب الكراهية واضحًا كما كان من قبل، أظن في الماضي كان من السهل تمييزه في كلمات حادة وتحريض مباشر وغضب ظاهر لأنه في النهاية عداء لا يخفي نفسه. أما اليوم فالأمر أكثر تعقيدًا، فالكراهية أحيانًا لا تأتي بصوت مرتفع بل بنبرة هادئة جدًا وربما بابتسامة أيضًا.
هناك أشخاص يمتلكون قدرة كبيرة على التحليل، ويتحدثون بثقافة واتزان، لكنهم في لحظة ما يبدأون في الاقتراب تدريجيًا من خطاب الكراهية دون أن ينتبهوا. لا يعلنون رفضهم للآخر بشكل مباشر، ولا يستخدمون لغة صادمة لكنهم يزرعون الشك، ويعيدون تقديم المختلف باعتباره خطرًا محتملًا أو عبئًا على المجتمع أو تهديدًا للهوية، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
المشكلة أن هذا النوع من الخطاب يبدو منطقيًا في بدايته ويبدأ بأسئلة تبدو بريئة وملاحظات عامة وتعليقات يختلط فيها القلق بالخوف، ثم يتحول بالتدريج إلى حالة من التبرير المستمر للإقصاء والتمييز، ومع الوقت يصبح التعامل مع الآخر أقل إنسانية وأكثر قسوة حتى لو لم يُعلن ذلك بشكل صريح.
كثيرون وقعوا في هذا الفخ رغم وعيهم وثقافتهم، لأن الكراهية حين ترتدي ثوب العقل تصبح أكثر قدرة على الانتشار، فالجمل الهادئة أحيانًا تكون أخطر من الشعارات الصاخبة لأنها تدخل إلى العقول بسهولة ولا تُقابل بالرفض السريع، وهكذا تنتقل الأفكار المتشددة من الهامش إلى المساحات العامة بشكل يبدو طبيعيًا وعاديًا.
الأخطر من ذلك أن البعض يقترب من هذا الخطاب بحجة الواقعية أو الدفاع عن المجتمع أو حماية القيم، بينما تتحول اللغة تدريجيًا إلى مساحة تمنح التطرف شرعية غير مباشرة. فحين يتم تبرير الكراهية باعتبارها رد فعل مفهوم، أو يصبح التمييز مجرد وجهة نظر، تبدأ الحدود الأخلاقية في التآكل بصمت.
الإرهاب نفسه لا يبدأ بالعنف، بل يبدأ باللغة، ويبدأ عندما يفقد الناس حساسيتهم تجاه الكلمات وعندما تصبح السخرية من المختلف أمرًا عاديًا، أو حين يتم اختزال الإنسان في دينه أو فكره أو خلفيته، فكل عنف كبير تسبقه دائمًا كلمات صغيرة مهدت له الطريق.
والمفارقة أن لطفاء خطاب الكراهية غالبًا لا يرون أنفسهم كذلك. بل يعتبر بعضهم أنه أكثر عقلانية واتزانًا من المتطرفين، لكنه في الحقيقة قد يساهم، من حيث لا يدري، في خلق المناخ الذي يسمح للتشدد بالنمو والانتشار، فالتطرف لا يعيش وحده، بل يحتاج دائمًا إلى من يخفف صورته أو يبرر وجوده، أو يقدمه للناس باعتباره أمرًا يمكن تفهمه.
لهذا تبدو الحاجة ملحّة اليوم إلى وعي أعمق باللغة، ليس فقط بالكلمات الصريحة والعنيفة، بل أيضًا بالكلمات الناعمة التي تحمل داخلها مشاعر الإقصاء والتفوق والخوف من الآخر. فبعض أخطر الأفكار لا تُقال بغضب، بل تُقال بهدوء شديد.
ليست كل نبرة هادئة بريئة، وليست كل لغة عقلانية عادلة. أحيانًا يكون أخطر خطاب كراهية هو ذلك الذي يبدو مهذبًا ومقنعًا ومتحضرًا.