خبير تربوي: ما يحدث في التعليم إعادة تدوير لأزمات قديمة بأسماء جديدة|خاص
أكد الدكتور محمد عبد العزيز، الخبير التربوي، أن ما يجري الحديث عنه حاليًا باعتباره “إصلاحًا لمنظومة التعليم” لا يعدو كونه إعادة تدوير للمشكلات القديمة نفسها التي تعاني منها المنظومة منذ سنوات طويلة، مشيرًا إلى أن المشهد يتكرر مع كل وزير جديد، عبر تصريحات تتحدث عن تطوير غير مسبوق، بينما تعود الأوضاع في النهاية إلى نقطة الصفر دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة.
وجود برنامج إصلاح متكامل وواضح المعالم
وقال عبد العزيز، في تصريحات خاصة، إن الخطاب الإعلامي الحالي الصادر عن وزارة التربية والتعليم لا يختلف كثيرًا عن التصريحات التي تكررت على مدار السنوات الماضية مع وزراء التعليم السابقين، موضحًا أن كل وزير يأتي بشعارات جديدة حول التطوير، دون وجود برنامج إصلاح متكامل وواضح المعالم يتم عرضه بصورة شفافة على المجتمع.
وأضاف أن أي عملية إصلاح حقيقية للتعليم يجب أن تبدأ بوجود خطة واضحة ومكتوبة يتم طرحها للنقاش المجتمعي، ومناقشتها داخل مجلس النواب، مع الاستماع إلى خبراء التربية والتعليم الحقيقيين الذين يمتلكون خبرات علمية وعملية طويلة، وليس الاقتصار على المسؤولين التنفيذيين داخل الوزارة أو الأشخاص المرتبطين بمصالح مباشرة داخل المنظومة.
وأشار إلى أن الأزمة الحالية تتمثل في أن الجهة التي تضع السياسات التعليمية هي نفسها التي تتولى تقييم هذه السياسات، وهو ما يفقد عملية التقييم الحياد والموضوعية، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي يتطلب وجود مراجعة مستقلة من خبراء ومتخصصين خارج الإطار التنفيذي للوزارة.
مشروع البكالوريا
وانتقد الخبير التربوي مشروع “البكالوريا” الذي يجري الحديث عنه مؤخرًا، معتبرًا أنه يمثل “قنبلة تعليمية موقوتة” قد تخلق مشكلات أكبر مستقبلًا، موضحًا أن الفكرة لم تخرج من إطار البحث عن مشروع يحمل اسم الوزير الحالي أكثر من كونها جزءًا من خطة إصلاح مدروسة وهناك خلطًا واضحًا بين مفهوم “البكالوريا الدولية” المعروفة عالميًا، وبين النظام الجديد الذي يتم الترويج له محليًا، مؤكدًا أن مجرد إطلاق الاسم لا يعني تطبيق نظام تعليمي متكامل بالمواصفات والمعايير الدولية نفسها.
وأضاف عبد العزيز أن النظام الجديد يواجه تحديات كبيرة، على رأسها طبيعة المحتوى الدراسي والمناهج التي سيتم تدريسها، متسائلًا عما إذا كانت هناك بالفعل رؤية واضحة لبناء مناهج تتناسب مع قدرات الطلاب واحتياجاتهم، أم أن الأمر لا يزال مجرد أفكار غير مكتملة.
العودة لا تُقاس بالأعداد فقط
وفيما يتعلق بعودة الطلاب إلى المدارس، قال الخبير التربوي إن السؤال الحقيقي ليس: “هل عاد الطلاب إلى الفصول؟”، وإنما: “كيف عادوا؟”، موضحًا أن العودة لا تُقاس بالأعداد فقط، وإنما بمدى اقتناع الطالب بالمدرسة كمصدر حقيقي للتعليم.
وأضاف أن العودة الحالية جاءت في كثير من الأحيان عبر إجراءات إلزامية وعقوبات تهدد الطلاب بالفصل حال الغياب، وليس نتيجة تحسين جودة العملية التعليمية أو خلق بيئة مدرسية جاذبة للطلاب، مشيرًا إلى أن استمرار ظاهرة الدروس الخصوصية بالشكل الواسع الحالي يؤكد أن المدرسة ما زالت عاجزة عن تقديم خدمة تعليمية كافية، والشوارع والمراكز التعليمية الممتلئة بالطلاب حتى ساعات متأخرة من الليل تمثل مؤشرًا واضحًا على أن المشكلة الأساسية لم تُحل.
آلية تطوير المناهج الدراسية
كما انتقد عبد العزيز آلية تطوير المناهج الدراسية، معتبرًا أن هناك تناقضًا واضحًا في الحديث عن تطوير التعليم، بالتزامن مع عقد شراكات مع دور النشر الخاصة المنتجة للكتب الخارجية للمشاركة في إعداد أو تطوير الكتب المدرسية الرسمية.
وتساءل: “كيف يمكن أن يكون المنتج للكتاب الخارجي هو نفسه المشارك في إعداد الكتاب المدرسي؟”، معتبرًا أن هذا الأمر يثير العديد من علامات الاستفهام حول طبيعة العلاقة بين التعليم الحكومي وسوق الدروس الخصوصية والكتب الخارجية ومشكلة الكثافات الطلابية ما زالت قائمة رغم التصريحات الرسمية المتكررة عن انخفاضها، مشددًا على أن تقييم نجاح الوزارة لا يجب أن يعتمد فقط على تصريحات المسؤولين، وإنما على آراء أولياء الأمور والطلاب باعتبارهم الفئة المستهدفة من العملية التعليمية.
وأضاف أن الوزارة لم تطرح استطلاعات رأي حقيقية وشفافة على مستوى الجمهورية لقياس مدى رضا أولياء الأمور عن مستوى الخدمة التعليمية داخل المدارس، أو مدى شعور الطلاب بتحسن البيئة الدراسية والكثافات داخل الفصول.
وانتقد الخبير التربوي طبيعة المناهج الحالية، مؤكدًا أنها في كثير من الأحيان تتجاوز القدرات العقلية والمستوى العمري للطلاب، وهو ما يخلق مشكلات نفسية وتعليمية خطيرة، أبرزها شعور الطالب بالعجز وعدم القدرة على الفهم، إلى جانب دفع الأسرة بشكل إجباري نحو اللجوء للدروس الخصوصية.
وأوضح أن تحميل الطالب محتوى دراسيًا يفوق قدراته لا يمكن اعتباره تطويرًا للتعليم، بل يمثل عبئًا إضافيًا على الأسرة والطالب معًا، ويؤدي إلى اتساع الفجوة بين المدرسة والواقع الفعلي للعملية التعليمية، مؤكدًا على أن ما يحدث حاليًا ليس إصلاحًا جذريًا لمنظومة التعليم، وإنما إعادة إنتاج للمشكلات القديمة بأشكال جديدة، و الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالأزمات القائمة ووضع حلول علمية واضحة لها، بدلًا من الاكتفاء بالشعارات والتصريحات الإعلامية.