هذا نموذج لمعركة مفتعلة مبنية على فهم مغلوط وقصور في الاستدلال، سواء بدون قصد وتلك مصيبة مهنية، أو بقصد لركوب الترند ومحاولة لتوريط هشام عز العرب، وهو واحد من كبار المصرفيين، فيما لم يقله عن شركات التمويل غير المصرفية التي لا تطبق بعضها معايير الائتمان. وبدلاً من شكر الرجل الذي يحذر من تداعيات ذلك، راح البعض يزايد على الأصول المصرفية باتهامات تبدو كسلوك مخبري الأزقة بطريقة شعبوية لا تخلو من بعض مصالح الإعلانات لشركات التمويل غير المصرفية.
وتلك مقدمة مهمة لشرح ما لم يتسع الجدل لعرضه، حيث بدأ الموضوع منذ البداية مصطنعاً… تصريح لهشام عز العرب عن التخوف من فقاعة التمويل الاستهلاكي، وردّ من الطرف الآخر، ثم نواب واستجوابات وربط أشياء في غير محلها ببعضها البعض؛ مثل علاقة التمويل الاستهلاكي بانخفاض معدل الادخار في مصر.. ثم هجوم مبطن على الهيئة العامة للرقابة المالية وكيف تدير أكثر من 2500 شركة مقابل عدد 36 بنكاً يديرها البنك المركزي.. وخرج الموضوع من حدوده كتصريح عابر إلى مسألة أصبحت حديث البرلمان ومحل مناقشة داخل البرلمان.
فهناك من يرى أن العالم تأخر كثيراً في توفير أدوات تمويل بديلة بعيداً عن البنوك، بينما يحذر آخرون من أن هذا النوع من التمويل قد يخلق أزمات مشابهة لما حدث في بعض تجارب توظيف الأموال، خاصة مع غياب الضمانات أو عدم التدقيق الكافي في الجدارة الائتمانية، إلى جانب التخوف من تأثيره على النظام المالي للدولة.
بينما يرى البعض أن المخاوف المثارة حول التمويل غير المصرفي مبالغ فيها إلى حد كبير؛ لأنه لا يمكن لأي جهة أن تحل محل الجهاز المصرفي التقليدي، بدليل أن بعض البنوك نفسها تمتلك شركات تعمل في مجال التمويل الاستهلاكي، بما في ذلك بنوك حكومية، مما يعني أن القطاع المصرفي جزء أساسي من هذه المنظومة. ويبررون هذا الجدل بوجود خلط كبير في الأرقام المتداولة مؤخراً، خاصة فيما يتعلق بحجم التمويل غير المصرفي؛ ذلك أن التمويل الاستهلاكي والتمويل متناهي الصغر يبلغ حجمهما مجتمعين نحو 190 مليار جنيه فقط، بينما الرقم الأكبر المتداول، والبالغ 417 مليار جنيه، يشمل أيضاً التأجير التمويلي والتخصيم والتمويل العقاري. علماً بأن حجم التمويل داخل البنوك يتجاوز 10 تريليونات جنيه، مقارنة بأقل من 200 مليار جنيه للتمويل غير المصرفي، أي ما يعادل نحو %2 فقط من إجمالي التمويل، وهو ما يوضح أن حجم المخاوف المتداولة لا يتناسب مع الحجم الحقيقي للقطاع.
وربما يكون مصدر القلق الرئيسي يتعلق بعملية "توريق محافظ الديون"، حيث تقوم شركات التمويل بمنح قروض للعملاء ثم تحول هذه الديون إلى سندات بهدف إعادة استثمارها. ثم إن غالبية الجمعيات الصغيرة العاملة في التمويل متناهي الصغر لا تمتلك أصلاً القدرة على توريق ديونها، وبالتالي فإن المخاطر المرتبطة بهذا النشاط تظل محدودة وفي نطاق ضيق.
والأمر المؤكد أن الهيئة العامة للرقابة المالية تطبق معايير صارمة مستوحاة من قواعد "بازل 3" الخاصة بالقطاع المصرفي، لضمان الملاءة المالية لشركات التمويل، بحيث تتحمل الشركة المقرضة نفسها أي تعثر قد يحدث، دون انتقال الأزمة إلى باقي النظام المالي أو الجهات التي اشترت السندات المرتبطة بهذه الديون.