من 15% إلى 87% حضورًا.. كيف تغيرت خريطة التعليم في مصر؟
على مدار سنوات طويلة، ظل التعليم في مصر واحدًا من أكثر الملفات إثارة للجدل، بين شكاوى متكررة من كثافة الفصول، وضعف انتظام الحضور، وتراجع جودة التعلم داخل المدارس.
كانت الصورة العامة أقرب إلى منظومة مثقلة بالضغط، حيث تتداخل الأعداد الكبيرة للطلاب مع نقص المعلمين، وتراجع الزمن الفعلي للدراسة، ما انعكس على مخرجات التعليم وقدرته على أداء دوره الأساسي.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح تغيير تدريجي تظهر داخل هذا القطاع الحيوي، مدفوعة بحزمة من السياسات والإجراءات التي استهدفت إعادة ضبط العلاقة بين الطالب والمدرسة، وتخفيف الضغط عن الفصول، وإعادة الاعتبار لدور المعلم داخل العملية التعليمية.
هذا التحول لم يمر دون ملاحظة، بل رافقته مؤشرات رقمية تعكس تغيرًا في سلوك الطلاب داخل المدارس، وفي شكل الفصول الدراسية، وفي طريقة إدارة اليوم الدراسي نفسه. وبينما تختلف القراءات حول حجم هذا التحسن واستدامته، فإن ما يتضح من المشهد العام هو أن المدرسة المصرية تمر بمرحلة إعادة تشكيل واسعة، لا تقتصر على البنية التحتية فقط، بل تمتد إلى جوهر العملية التعليمية نفسها.
في هذا السياق كشفت نتائج دراسة حديثة صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، تحت عنوان "تأمين مستقبل مصر من خلال تحول التعليم: أدلة جديدة، والتقدم المحقق، والطريق إلى الأمام"، عن تحقيق تحسن ملحوظ في مؤشرات التعليم داخل مصر خلال السنوات الأخيرة، شمل ارتفاع نسب الحضور، وتراجع كثافات الفصول، وزيادة عدد أيام الدراسة، إلى جانب تعزيز قدرات المعلمين وتحسين نواتج التعلم.
نسبة الحضور
تحسن ملحوظ في عدد من المؤشرات الرئيسية داخل المنظومة التعليمية، حيث ارتفع معدل الحضور من 15% إلى 87%، وهو ما اعتبرته الدراسة تحولًا جوهريًا في انتظام الطلاب داخل المدارس.
كما انخفضت كثافة الفصول في المرحلة الابتدائية من 63 طالبًا في الفصل خلال عام 2023/2024 إلى 41 طالبًا في عام 2025/2026، بعد أن كانت بعض الفصول تضم أكثر من 100 طالب، في نحو 2000 فصل دراسي.
وأوضحت الدراسة أيضًا ارتفاع عدد أيام الدراسة من 110 أيام إلى 174 يومًا، إلى جانب التقدم في ملف سد العجز في معلمي المواد الأساسية، والذي كان يقدّر بنحو 469,860 معلمًا.
مهارات اللغة العربية وتحسن نواتج التعلم
وتناول التقرير البرنامج القومي لتنمية مهارات اللغة العربية، الذي تنفذه وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي ومنظمة يونيسف مصر، حيث شمل اختبار 1.38 مليون طالب، وتدريب 30 ألف معلم، وتطبيقه في جميع محافظات الجمهورية الـ27.
وأظهرت الدراسة أن البرنامج أسهم في تحسين مهارات القراءة والكتابة لدى الطلاب، مع تعزيز فاعلية العملية التعليمية داخل المدارس.
وأشارت النتائج إلى تراجع نسبة الطلاب الذين يعانون من ضعف مهارات القراءة والكتابة بشكل تدريجي عبر مراحل التنفيذ المختلفة؛ إذ بلغت النسبة في المرحلة الأولى (10 محافظات خلال الفترة من فبراير إلى مايو 2025) نحو 45.5%، ثم انخفضت إلى 32.4% في المرحلة الثانية (10 محافظات من أكتوبر إلى ديسمبر 2025)، وصولًا إلى 13.9% في المرحلة الثالثة (7 محافظات من فبراير إلى مايو 2026).
إعادة بناء البيئة التعليمية وتحسين انتظام الدراسة
وأكدت الدراسة أن ما قبل عام 2019 كان النظام التعليمي يواجه تحديات كبيرة، أبرزها تدني معدلات الحضور التي لم تتجاوز 15%، وقِصر العام الدراسي عند 110 أيام، وارتفاع كثافة الفصول إلى متوسط 63 طالبًا.
وأوضحت أن استعادة فاعلية التعليم بدأت من إعادة بناء البيئة المدرسية، ما أسهم في عودة الطلاب إلى الفصول، وتحسن قدرة المعلمين على أداء دورهم في شرح المناهج بصورة أكثر كفاءة.
كما أشارت إلى أن التقييمات الأسبوعية المرتبطة بالدرجات كانت من أبرز العوامل التي ساعدت على رفع نسب الحضور، حيث أكد 94% من المشاركين في مجموعات النقاش وجود ارتباط مباشر بين الانتظام الدراسي وتأثير التقييمات على درجات الطلاب.
توسع الطاقة الاستيعابية وسد العجز في المعلمين
وفيما يتعلق بكثافات الفصول، أوضحت الدراسة أن الطاقة الاستيعابية للمدارس ارتفعت بنسبة 20%، من خلال إعادة تخصيص 45,248 فراغًا داخل المدارس وتحويلها إلى فصول، إضافة إلى إعادة تشغيل 53,496 فراغًا آخر.
كما أكدت نجاح الجهود في سد العجز في المعلمين على مستوى الجمهورية، عبر تعيين 133,340 معلمًا بنظام الحصة، إلى جانب تنفيذ مبادرة تعيين 30 ألف معلم سنويًا، وإعادة تنظيم الجداول الدراسية وزيادة وقت الحصة، بما أسهم في رفع الطاقة التدريسية الفعلية بنسبة 33%.
تدريب وتطوير المناهج
وأوضحت الدراسة أن 70.2% من المعلمين حصلوا على تدريبات مهنية، ضمن خطط تطوير المنظومة التعليمية، كما تم تطوير وإعادة هيكلة 94 منهجًا دراسيًا، شملت تبسيط اللغة العربية، وإعادة تصميم الدراسات الاجتماعية، وتحديث اللغة الإنجليزية، وإدخال البرمجة والذكاء الاصطناعي في الصف الأول الثانوي.
متابعة ميدانية واسعة ودعم دولي
وأشار التقرير إلى قيام وزير التربية والتعليم بزيارة 612 مدرسة خلال عامين، مع متابعة ميدانية شملت 97% من المدارس، وهو ما ساهم في رفع كفاءة المتابعة وتحسين جودة التنفيذ، موضحًة أن الدراسة أن الحوافز المالية المقدمة للمعلمين كان لها دور في دعم الإصلاحات التعليمية.