عاجل

كوبا.. ساعات الظلام تفوق النور تحت وطأة الحصار الأمريكي

الظلام في كوبا
الظلام في كوبا

غالباً ما تكون الفكاهة هي الأداة الأفضل للمواطن الكوبي لتجسيد واقعه المرير؛ ولهذا السبب، في جزيرة باتت تقضي ساعات في الظلام أكثر مما تقضيه تحت الضوء، لم يعد السكان يتحدثون عن "انقطاعات كهربائية"، بل عن "ألمبرونات" (Alumbrones) وهو مصطلح ساخر يعني “لحظات إضاءة عابرة”، بحسب صحيفة “إلبايس” الإسبانية.

وفي تعليق له يوم الأربعاء الماضي، قال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو: «كما تعلمون جيداً، يعاني الكوبيون منذ سنوات من انقطاع الكهرباء. لكن السبب وراء اضطرارهم للبقاء 22 ساعة يومياً بلا كهرباء لا يعود إلى حصار نفطي من جانب الولايات المتحدة»، ورغم أن أزمة الطاقة في كوبا مزمنة بالفعل، إلا أن الحصار الأمريكي الذي أُعلن عنه في نهاية يناير الماضي جاء ليعصف بنظام متهالك يشبه "بيت الورق".

ويكشف تحليل أجرته الصحيفة  لبيانات الحكومة الكوبية لعام 2026 أن الوضع الحرج لإمدادات الطاقة الكهربائية قد وصل إلى مستويات غير مسبوقة، حيث استمرت الانقطاعات في بعض الأيام لـ 24 ساعة كاملة. 

انهار النظام الكهربائي الوطني سبع مرات

فخلال عام ونصف فقط، انهار النظام الكهربائي الوطني (SEN) سبع مرات، وسُجل اثنان من هذه الانهيارات في شهر مارس وحده، بالإضافة إلى انفصال جزئي للشبكة قطع التيار عن ثلثي مساحة البلاد.

وجاءت هذه الأزمات المتلاحقة بعد شهرين فقط من جنوح الناقلة البحرية "أوشن مارينر" (Ocean Mariner) التي أرسلتها المكسيك  في هافانا، وكانت آخر الشحنات الواصلة قبل التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات، ومع ذلك، لم يشعر السكان بأثر تلك الإمدادات؛ والسبب واضح: فالشحنة البالغة 86 ألف برميل كانت بالكاد تغطي عجز الخام ليوم واحد فقط.

وتظهر سجلات الإدارة الطاقية للمنظومة الكهربائية الكوبية الفجوة الواسعة بين القدرة الإنتاجية المتاحة بالميجاوات وحجم الطلب الفعلي خلال الفترة الممتدة من ديسمبر إلى مايو لعامي 2025 و2026، حيث قفز الطلب في شهر مايو إلى 3200 ميجاوات في حين تراجعت القدرة التوليدية في شهر مارس لتتراوح بين 1325 و1355 ميجاوات فقط.

 وقد تأثرت هذه المنظومة بسلسلة متلاحقة من الأحداث بدأت بوصول ناقلة النفط المكسيكية، وتلاها انهيار جزئي في المنظومة الكهربائية، ثم اندلاع احتجاجات شعبية وإحراق مقر الحزب الشيوعي، وصولاً إلى الإنقاذ المؤقت مع وصول ناقلة النفط الروسية، قبل أن تعود الشبكة لتسجل سقوطاً جزئياً آخر، بالتزامن مع الاضطرابات السياسية الخارجية التي تمثلت في سقوط نظام مادورو في فنزويلا.

أزمة استيراد الوقود والتبعية التاريخية

بدأت ساعات انقطاع الكهرباء تزداد بشكل ملحوظ منذ منتصف عام 2024. وحتى قبل اعتقال نيكولاس مادورو في يناير الماضي، كانت فنزويلا قد خفضت بشكل كبير شحنات النفط المرسلة إلى الجزيرة.

 ففي ذروة العهد "التشافيزي"، كانت كاراكاس ترسل أكثر من 100 ألف برميل يومياً، لكن هذا الرقم تراجع في عام 2025 ليصل إلى نحو 30 ألف برميل فقط وفقاً لتقديرات مستقلة.

 تاريخياً، اعتمدت كوبا دائماً على "راع خارجي" لإنعاش اقتصادها؛ ففي عهد الحرب الباردة كان الاتحاد السوفيتي هو الداعم، ثم جاء الدور على فنزويلا، ومؤخراً المكسيك.

وتشكل المحطات الحرارية العمود الفقري لشبكة الطاقة الكوبية بوجود 16 وحدة توليد تجاوزت مدة تشغيلها أربعة عقود، إلى جانب محركات الديزل والفيول المنتشرة في جميع أنحاء البلاد. 

ويعتمد مزيج الطاقة الموزعة في كوبا بنسبة ساحقة تصل إلى 80% على هذا التوليد الحراري ومحركات الديزل والفيول، في حين لا تسهم مصادر الطاقة النظيفة كالغاز والطاقة الشمسية سوى بنسبة 20% فقط المتبقية.

ولتشغيل هذه المنظومة، تحتاج هافانا إلى نحو 110 آلاف برميل يومياً، لا تستطيع استخراج سوى 40 ألف برميل منها محلياً من الحقول الوطنية، مما يترك عجزاً يومياً هائلاً يتطلب استيراد 70 ألف برميل لسد الفجوة الطاقية. 

يضاف إلى ذلك خروج عدد كبير من الوحدات الـ 16 عن الخدمة يومياً بسبب الأعطال أو الصيانة؛ ففي 12 مايو، كان 75% من هذه الوحدات خارج الخدمة تماماً.

احتقان الشارع والتمرد في الظلام

في أوقات الذروة المسائية من شهر مارس، كانت نحو 60% من مناطق كوبا تغرق في الظلام وفقاً للبيانات الرسمية لشركة الكهرباء الحكومية (UNE). وكان يوم 6 مارس هو الأسوأ، حيث بلغت نسبة التأثر والانقطاع في الجزيرة 68%، متجاوزاً الرقم القياسي السابق المسجل في يناير البالغ 61%. وبشكل عام، استقرت ذروة الأقاليم المتأثرة بالانقطاعات اليومية في شهر مارس عند حدود 59% بالتزامن مع ذروة الاحتجاجات الشعبية والاضطرابات السياسية المرتبطة باحتجاز مادورو.

ومع انتصاف الشهر، خرج الكوبيون للاحتجاج في مدن عدة، وكانت المظاهرات الأشد صخباً في مدينة "مورون" (وسط كوبا)، حيث رشق محتجون مقر الحزب الشيوعي بالحجارة واقتحموا المبنى وأشعلوا نيراناً أمام مدخله. واعترفت الحكومة باعتقال خمسة أشخاص، في حين أكدت منظمة "جاستيسيا 11 جيه" (Justicia 11J) الحقوقية رصد 16 حالة اعتقال، من بينهم ثلاثة قاصرين دون سن الثامنة عشرة.

رمق أخير.. ثم العودة إلى نقطة الصفر

في الأيام الأخيرة من شهر مارس، تلقت الجزيرة طوق نجاة مؤقت؛ حيث أفرغت ناقلة النفط الروسية "أناتولي كولودكين" (Anatoly Kolodkin) أكثر من 700 ألف برميل بموافقة ضمنية من البيت الأبيض. وانعكست النتائج إيجاباً في أبريل، إذ سجلت البلاد أقصر فترات انقطاع للكهرباء خلال العام وانخفض العجز بنسبة 50%، حتى إن هافانا نجحت في قضاء أسبوع كامل تقريباً دون انقطاعات.

لكن الجزيرة استهلكت الشحنة حتى القطرة الأخيرة. وبعد شهر واحد فقط، عاد الكوبيون إلى واقعهم المظلم؛ حيث تفاقم العجز بين الميغاوات المولدة والمستهلكة في الأيام الأولى من مايو. وفي 14 مايو، حطمت البلاد الرقم القياسي التاريخي للانقطاعات المتزامنة لتصل إلى 70%، وبعد ساعات قليلة عانى النظام من انفصال جزئي آخر.

واعترف وزير الطاقة, فيسنتي دي لا أوه ليفي، عبر التلفزيون الحكومي بأن الجزيرة استنفدت احتياطياتها بالكامل من الفيول والديزل. ونتيجة لذلك، عادت هافانا بسكانها المليونين لتراكم أياماً كاملة بلا تيار كهربائي، وتحديداً في الفترة من 6 إلى 18 مايو. وفي تلك الأيام، أصبح اليأس جلياً في الشوارع، وتحولت الطرق على الأواني (القرع على الطناجر) إلى "الموسيقى التصويرية" التي ترافق الليالي الكوبية المظلمة.

معضلة أعمق من الحصار: السياحة على حساب الطاقة

يرى محللون مستقلون من خارج الجزيرة أن الوضع متدهور إلى درجة أنه حتى لو رفعت الولايات المتحدة حصار الطاقة غداً، فإن الانقطاعات ستستمر. فإعادة إحياء قطاع الطاقة المتهالك تتطلب ضخ نحو 10 مليارات دولار، وهو قطار فات كوبا منذ سنوات بسبب سوء إدارة الأولويات الاقتصادية.

فخلال العقد الماضي، حظي قطاع السياحة وبناء الفنادق — وهو قطاع يخضع لسيطرة مطلقة من القوات المسلحة الكوبية — بحصة الأسد من الإنفاق على حساب بقية القطاعات الحيوية. وفي عام 2024 (آخر عام تتوفر فيه بيانات رسمية)، وجهت الدولة 37.4% من إجمالي استثماراتها لبناء المنتجعات السياحية الفاخرة، وهو رقم ضخم وصادم يعادل 11 ضعف ما خُصص لقطاعي التعليم والصحة مجتمعين.

تم نسخ الرابط