المفكر القبطي"كمال زاخر" يطرح رؤية إصلاحية أمام المجمع المقدس
طرح المفكر القبطي كمال زاخر رؤية موسعة لإعادة تنظيم عدد من الملفات الكنسية والإدارية والروحية داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وذلك في رسالة مفتوحة وجّهها إلى آباء المجمع المقدس بالتزامن مع انعقاده، داعيًا إلى فتح نقاش كنسي شامل حول مستقبل الكنيسة وآليات تطوير مؤسساتها بما يتواكب مع تحديات العصر.
وأكد زاخر، في رسالته تحت عنوان “رسالة مفتوحة لآباء المجمع المقدس”، والمنقولة عن كتابه «كنيستنا القبطية إلى أين؟» الصادر عام 2026، أن الكنيسة باتت في حاجة إلى «دستور جامع مانع» يحدد أطر الإيمان والعقائد والطقوس والخدمة، مستندًا إلى التسليم الرسولي والآبائي وقوانين المجامع المسكونية، وبما يواكب احتياجات العصر ومتغيراته.
دستور كنسي لضبط العقيدة والخدمة
ودعا الكاتب إلى وضع إطار مؤسسي واضح يضبط العقائد والطقوس والصلاحيات والمسؤوليات داخل الكنيسة، معتبرًا أن وجود مرجعية مكتوبة يمكن الرجوع إليها من شأنه الحد من الخلافات الفكرية والانطباعات الشخصية، وحماية الكنيسة من الاجتهادات الفردية.
كما شدد على أهمية ضبط منظومة التعليم الإكليريكي والكنسي وفق «الفكر الأرثوذكسي الإنجيلي الآبائي المحقق»، إلى جانب تأسيس منظومة إعلام كنسي احترافية تقوم على قواعد مهنية حديثة، وتُدار بواسطة متخصصين من أبناء الكنيسة بعيدًا عن الهيمنة الإدارية التقليدية.
مقترحات لإعادة تنظيم الرهبنة والأديرة
وتناول زاخر في رسالته ملف الرهبنة، داعيًا إلى مراجعة وتقييم منظومة الرهبنة المعاصرة باعتبار الأديرة «المخزون الاستراتيجي للكنيسة»، واقترح العودة إلى إسناد إدارة الأديرة إلى أحد شيوخ الدير بدلًا من إقامة أسقف للدير، حفاظًا على سلام الأديرة وطبيعتها الروحية.
كما دعا إلى رسامة أسقف عام لشئون الأديرة، وإنشاء آلية متخصصة لإعداد الرهبان المرشحين للأسقفية، بالتعاون بين المؤسسات التعليمية الكنسية والجامعات المصرية، مع التركيز على العلوم الإنسانية واللاهوتية.
وطالب أيضًا بفك الارتباط بين الرهبنة والكهنوت داخل الأديرة، والاكتفاء بعدد محدود من الكهنة الرهبان بقدر الاحتياج الفعلي لكل دير، معتبرًا أن هذا الارتباط يقف وراء عدد من المشكلات التي تواجه الحياة الرهبانية المعاصرة.
آلية مركزية لإدارة المشروعات الديرية
وفي الجانب الاقتصادي، اقترح الكاتب إنشاء آلية مركزية لإدارة المشروعات الإنتاجية التابعة للأديرة، بحيث تتولى تسويق المنتجات وتوزيع العائدات بصورة تحقق التوازن بين الأديرة والإيبارشيات محدودة الدخل، تطبيقًا لمفهوم «عدم القنية وعدم الامتلاك» في الفكر الرهباني.
وأشار إلى أن هذه الخطوة من شأنها تخفيف الأعباء الإدارية والتجارية عن الرهبان، بما يحفظ طبيعة الحياة الرهبانية ويحد من المشكلات المرتبطة بالأنشطة الاقتصادية.
إعادة مشاركة الأراخنة وتقييم تجربة «الأسقف العام»
وتضمنت الرسالة دعوة صريحة لإعادة مشاركة الأراخنة في تدبير شئون الكنيسة بصورة تكاملية مع الإكليروس، وليس على سبيل المشورة فقط، بما يعيد التوازن لمفهوم «شعب الله» داخل الكنيسة، ويسهم في ترسيخ الشفافية والرقابة على أوجه الإنفاق والإدارة.
كما دعا زاخر إلى تقييم تجربة «الأسقف العام» ومراجعة تطوراتها منذ عهد البابا كيرلس السادس وحتى اليوم، مع دراسة إمكانية العودة إلى رتبة «الخوري أبسكوبس» لتولي الإشراف على قطاعات داخل الإيبارشيات دون الحاجة إلى تقسيمها.
واقترح أيضًا إعادة ترسيم حدود الإيبارشيات بحيث يكون لكل محافظة مطران يتبعه عدد من الأساقفة، على غرار نموذج إيبارشية البابا البطريرك.
مراجعة العلاقة بين الأسقف والكاهن
وفي ما يتعلق بالعلاقة بين الأسقف والكهنة، دعا الكاتب إلى وضع ضوابط جديدة تنقل العلاقة من «التبعية» إلى «التكامل»، مع توفير ضمانات اجتماعية وتأمينية للكهنة وأسرهم، وإنشاء منظومة معاشات وتأمين صحي تحفظ كرامتهم واستقرارهم المعيشي.
كما طالب بمراجعة بعض المظاهر المرتبطة بالحياة الكنسية، ومنها ظاهرة إنشاء مدافن خاصة للأساقفة تتحول إلى مزارات شعبية، معتبرًا أن هذه الظواهر قد تبتعد بالمؤمنين عن جوهر الإيمان المسيحي.
واختتم زاخر رسالته بالتأكيد على أن هذه المقترحات تهدف إلى الانتقال بالكنيسة من «الفردية» إلى «المؤسسية»، وفتح المجال أمام حوار مسكوني أكثر نضجًا بين الكنائس دون خوف من الذوبان أو فقدان الهوية، مشيرًا إلى أن الكنيسة القبطية تمتلك رصيدًا تاريخيًا ولاهوتيًا يؤهلها للقيام بدور محوري في مسار الوحدة المسيحية والحوار الكنسي المعاصر.