صندوق ترامب البالغ 1.776 مليار دولار لتعويض حلفائه "المضطهدين" يثير الانتقادات
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كتابة تاريخ الديمقراطية الأمريكية مجدداً عبر تأسيس صندوق ممول من المال العام لمكافأة حلفائه وأنصاره، ويستهدف الصندوق تحديداً أولئك الذين اعتبرتهم وزارة العدل الحالية التي يقودها مؤقتاً تود بلانش، المحامي الشخصي السابق لترامب "مضطهدين قضائياً" خلال سنوات رئاسة جو بايدن (2021-2025).
وقد قوبل هذا الإجراء باحتجاج رسمي قدمه 93 نائباً ديمقراطياً في الكونجرس، وسط انتقادات لاذعة تصف الخطوة بأنها تحويل للمال العام إلى "صندوق للمرتشين والرشاوى السياسية".
ورغم أن العديد من تفاصيل المقترح ومعايير تحديد المستفيدين لا تزال غير واضحة، إلا أنه بات من المؤكد أن القائمة ستشمل المشاركين في اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021 والذين أصدر ترامب عفواً رئاسياً عن 1500 منهم في يومه الأول بالمكتب البيضاوي، بالإضافة إلى ترامب نفسه وعائلته ومعاونيه الذين شاركوا في محاولات قلب نتائج انتخابات 2020 الرئاسية، وهي الهزيمة التي لا يزال الرئيس يرفض الاعتراف بها.
دلالات الرقم 1776 وتسوية مريبة مع الضرائب
خُصص للصندوق مبلغ 1.776 مليار دولار (ما يعادل 1.530 مليار يورو)، في إشارة رمزية واضحة إلى عام استقلال الولايات المتحدة (1776)، وتزامنًا مع اقتراب الذكرى الـ 250 للاستقلال في الرابع من يوليو المقبل.
وجاء الإعلان عن هذا الصندوق الملياري بعد أن سحب ترامب دعواه القضائية ضد مصلحة الضرائب الأمريكية، والتي كان يطالب فيها بتعويضات لا تقل عن 10 مليارات دولار؛ وهي معركة قضائية وُصفت بـ"السريالية" كونه كان يطالب الدولة بتعويضات وأضرار بينما يقبع المحامون من الطرفين تحت إمرته وتوجيهاته كرئيس للبلاد.
ودافع المدعي العام المؤقت، تود بلانش، عن الخطوة قائلاً: "لا ينبغي أبداً استخدام أجهزة الدولة كسلاح ضد أي مواطن أمريكي، ونية هذه الوزارة هي إصلاح المظالم التي ارتكبت سابقاً وضمان عدم تكرارها".
وأضاف: "كجزء من هذه التسوية، نحن نؤسس مساراً قانونياً وشرعياً لضحايا 'الحرب القانونية' (Lawfare) وتسييس القوانين، لكي تُسمع أصواتهم ويتمكنوا من طلب التعويض".
إدانات واسعة: "إنه تراجع قياسي في معايير النزاهة"
أثار المشروع ردود فعل غاضبة من الخبراء والسياسيين على حد سواء، وكتب الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، بول كروغمان، عبر منصة "Substack" منتقداً الخطة: "لنكن واضحين: إذا كنت مكلفاً بدفع الضرائب في أمريكا، فإن هذا الإجراء يعني تحويل نحو 1.8 مليار دولار من أموالك الخاصة لمنحها لأي شخص تختاره لجنة يعينها ترامب".
وأضاف: "قليلة هي الأشياء التي تفاجئني هذه الأيام، لكن هذا القرار يمثل رقماً قياسياً جديداً من الانحدار في تداول النفوذ، ويكشف مجدداً عن الاستخفاف المطلق من جانب ترامب بالشعب الأمريكي".
ومن جانبه، شن حاكم ولاية كاليفورنيا، جافين نيوسوم، هجوماً عنيفاً خلال اجتماع للحزب الديمقراطي في واشنطن، استضافه مركز التقدم الأمريكي (CAP)، قائلاً: "هذا فساد مطلق.. 1776 مليون دولار؟ في عام الذكرى المئوية الثانية والنصف؟ إنهم يسخرون منا جميعاً". ويُعد نيوسوم أحد أبرز الأسماء المرشحة لقيادة الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية لعام 2028.
فيما أكد عضو الكونجرس الديمقراطي روبرت غارسيا أن هذا الإجراء هو أكثر التصرفات فساداً التي ارتكبها ترامب حتى الآن"، مضيفاً: "يجب إدراج هذا القرار ضمن سلسلة صفقاته العقارية، وبيع حق الوصول إلى البيت الأبيض من قبل المقربين منه، وتلاعباته بالعملات المشفرة، وإدارته للسياسة الخارجية بما يثري شركاته الخاصة، فضلاً عن الصناديق الاستثمارية المليارية التي يديرها برفقة صهره جاريد كوشنر.. والقائمة تطول بلا نهاية".
وجاءت هذه الانتقادات في وقت كان فيه ترامب يرتجل مؤتمراً صحفياً على بعد بضعة شوارع، أمام أعمال هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض لاستبداله بقاعة رقص، وهو المشروع الذي أوقفته المحاكم.
انقسام جمهوري واستقالة رئيسية في وزارة الخزانة
كما أعرب زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، جون ثون، عن عدم حماسه للفكرة، ورغم محاولات الترويج للصندوق عبر مقارنته بصندوق "Keepseagle" الذي أنشئ في عهد باراك أوباما بقيمة 760 مليون دولار لتعويض الادعاءات بالتمييز العنصري المؤسسي، قال ثون للصحفيين في الكابيتول: "ليس واضحاً لي كيف يخططون لاستخدامه بالضبط بما أنه أُعلن عنه للتو.. لكنني لا أرى مبرراً أو منطقاً له".
وخلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ، أقر المدعي العام المؤقت تود بلانش بأنه لا يملك أدنى فكرة عن الهوية المحتملة للشخصيات الخمسة التي ستشكل اللجنة المسؤولة عن توزيع التعويضات، مؤكداً أن لترامب الحق في إقالتهم في أي وقت، وأنهم لن يتقاضوا رواتب باستثناء بدل الانتقالات والمصاريف الإدارية ونفقات الموظفين.
وأشار بلانش الذي حل بديلاً مؤقتاً للمدعية العامة السابقة بام بوندي التي أقالها ترامب لعدم ملاحقتها خصومه السياسيين بالقدر الكافي إلى أن الصندوق، المقرر أن تنتهي صلاحيته في 15 ديسمبر 2028 مع نهاية الولاية الرئاسية الثانية لترامب، سيخضع لمراجعة دقيقة في الكونجرس أثناء مناقشة الموازنة العامة، متوقعاً أن يحظى باهتمام بالغ نظراً لردود الفعل العكسية القوية.
كما لمح بلانش إلى أن النواب الجمهوريين الذين تمت مصادرة سجلاتهم الهاتفية عام 2023 من قبل المدعي الخاص جاك سميث ضمن تحقيقات محاولات قلب نتائج انتخابات 2020قد يكونون من بين الفئات المستهدفة بالتعويض الحكومي.
ولم يمر هذا الإعلان دون ترك أثر فوري داخل الإدارة؛ إذ أعلن المستشار القانوني الرئيسي لوزارة الخزانة الأمريكية، براين موريسي، استقالته من منصبه عقب الإعلان مباشرة، بعد سبعة أشهر فقط من مصادقة مجلس الشيوخ على تعيينه، في مؤشر واضح على رفضه القاطع للمناورة القانونية الأخيرة لرئيسه.



