خبير: مصر لم تعد حارس حدود فقط بل باتت تدير توازنات الملف الليبي | خاص
أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن دلالة حديث رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح تحمل رسائل سياسية واستراتيجية مهمة، تعكس حجم الدور الذي باتت تضطلع به الدولة المصرية في الملف الليبي خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن هذا الدور لم يعد يقتصر على مفهوم “حماية الحدود” بالمعنى التقليدي، بل تجاوز ذلك إلى إدارة توازنات المجال الاستراتيجي في ليبيا وامتداداته الإقليمية.
وأوضح البرديسي، في تصريحات خاصة ، أن الدولة المصرية أصبحت طرفًا محوريًا في منع انزلاق ليبيا إلى حالة من التفكك أو التحول إلى نموذج الدولة الميليشياوية، أو أن تصبح ساحة مفتوحة للمرتزقة والجماعات المسلحة وبؤر الصراع الداخلي، مؤكدًا أن التحرك المصري يهدف بشكل أساسي إلى تثبيت مفهوم الدولة الوطنية، ودعم مسار وحدة التراب الليبي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس دستورية ومؤسسية مستقرة.
مصر تتحرك وفق رؤية استراتيجية ممتدة منذ عام 2011
وأضاف خبير العلاقات الدولية أن توقيت حديث عقيلة صالح يعكس في جوهره إدراكًا متزايدًا لأهمية الدور المصري في هذه المرحلة، لافتًا إلى أن مصر تتحرك وفق رؤية استراتيجية ممتدة منذ عام 2011 وما تلاه من تطورات حادة في المشهد الليبي، حيث لم يتوقف الدور المصري عند حدود الاستجابة للأزمات، بل تطور إلى مسار دائم من الدعم السياسي والأمني والاقتصادي.
وأشار البرديسي إلى أن القاهرة تعمل على أكثر من مسار متوازٍ في الملف الليبي، يشمل التنسيق الأمني لمنع تسرب الفوضى عبر الحدود، والتنسيق السياسي مع مختلف الأطراف الليبية، إضافة إلى دعم المسار البرلماني والمؤسساتي، فضلًا عن الانخراط في جهود إعادة الإعمار باعتبارها أحد أهم أدوات تثبيت الاستقرار على المدى الطويل.
ولفت إلى أن الرؤية المصرية تنطلق من اعتبار أن استقرار ليبيا يمثل جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، نظرًا للترابط الجغرافي المباشر وطول الحدود المشتركة، إضافة إلى ما يمكن أن يترتب على انهيار الدولة الليبية من تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية خطيرة لا تقتصر على الداخل الليبي فقط، وإنما تمتد إلى الإقليم بأكمله.
وشدد البرديسي أن مصر تتحرك أيضًا وفق مفهوم “ضبط الإيقاع الاستراتيجي” في المنطقة، بما يهدف إلى منع تفكك الدول الوطنية، والتصدي لأي محاولات لإعادة إنتاج الفوضى أو تغذية الصراعات الداخلية، مشيرًا إلى أن التحرك المصري في هذا السياق لا يستهدف طرفًا بعينه، وإنما يركز على دعم الاستقرار كخيار استراتيجي شامل.
مصر أثبتت عبر مختلف المحطات أنها شريك أساسي في صناعة الاستقرار داخل ليبيا
وأضاف أن المرحلة الحالية تشهد مستوى متقدمًا من التنسيق المصري مع عدد من القوى الإقليمية والدولية، في إطار مقاربة تقوم على تقليل نقاط التوتر، وتعزيز مسارات الحل السياسي، بما في ذلك وجود تفاهمات واتصالات مع أطراف متعددة، من بينها الجانب التركي، بما يخدم هدف الاستقرار داخل ليبيا.
وشدد خبير العلاقات الدولية على أن مصر أثبتت عبر مختلف المحطات أنها شريك أساسي في صناعة الاستقرار داخل ليبيا، وأن دورها اتسم بالثبات والاستمرارية، وليس بالتحرك الظرفي أو المؤقت، موضحًا أن هذا الدور يعزز من مكانة الدولة المصرية كفاعل إقليمي رئيسي في إدارة الأزمات داخل محيطها الحيوي.
وأضاف على أن ما يجري اليوم يعكس بوضوح أن مصر باتت أحد أهم ضوابط الاستقرار في الإقليم، وأن تحركاتها في الملف الليبي تستهدف في الأساس حماية الدولة الوطنية، والحفاظ على وحدة الأراضي الليبية، ودعم مسار الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي بما يضمن عدم عودة البلاد إلى دوامة الصراع والانقسام.