كنتُ في طريقي إلى مكتب وزير الثقافة آنذاك فاروق حسني بشارع شجرة الدر في حي الزمالك أحمل بين يديّ العدد الأول من مجلة «أبيض وأسود» المتخصصة في شؤون السينما والصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة التي كنت وقتها اعمل بها مديرا لقصر ثقافة السينما وكان قلبي يفيض سعادةً بولادة هذا المشروع الثقافي الجديد وتزداد غبطتي لأنني كنتُ أتولى رئاسة تحريره مؤمنًا بأن للكلمة والصورة قدرةً على إشعال الضوء في عتمة الواقع وأن للسينما نافذةً تُطل منها الأرواح على أحلامها المؤجلة.
وكعادتي، كنتُ أستمع إلى إذاعة راديو مصر وبينما كانت عقارب الساعة تستقر عند رأس الساعة انطلقت النشرة الإخبارية بصوتها المهيب، تحمل في مستهلها خبر الحكم بحبس الصحفي إبراهيم عيسى سنةً كاملة، بتهمة إهانة رئيس الجمهورية آنذاك الرئيس محمد حسني مبارك .

دخلتُ إلى مبنى الوزارة المنيف حيث استقبلني الأستاذ ياسر شبل مدير مكتب معالي الوزير الذي لم ينسي — كعادته — أن يوصيني بألّا أطيل وقت الزيارة فمعالي الوزير غارقٌ في انشغالاته الكثيرة ؛ ابتسمتُ ووعدته بأن تكون الزيارة خاطفة ثم مضيت إلى الداخل ..
جلستُ أمام مكتب الوزير ذلك المكتب الأنتيك الفرنسي الصنع الذي كان يضفي على المكان هيبةً وأناقةً خاصتين ومددتُ المجلة بين يديه في صمتٍ مشوب بالترقب ؛ أراقب ملامح وجهه بحثًا عن أول انطباع ولم أنتظر طويلًا إذ ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة، وقال بصوته الهادئ الواثق :
— «برافو… عاجبني جدًا إنك خليت المحتوى كله أبيض وأسود على اسم المجلة .. مجلة جميلة ».
في تلك اللحظة شعرتُ بأن التعب كله يتراجع إلى الخلف وشعرت انني حصلت علي شهادة رفيعة المستوي تساوي الدكتوراه !! وأن الفكرة التي آمنتُ بها وجدت أخيرًا من يلتقط روحها قبل شكلها .
وتشعّب الحديث بيننا إلى تفاصيل كثيرة تخص المجلة؛ من أبوابها وكُتابها إلى روحها البصرية إلى الرهان الحقيقي على أن تكون نافذة مختلفة للسينما والثقافة ؛ ثم بارك لي تولّي رئاسة تحريرها، باعتباري — آنذاك — أصغر رئيس تحرير في الوزارة، وكانت كلماته تبعث في داخلي قدرًا كبيرًا من الاعتزاز والثقة.
لكن شيئًا ما كان يلحّ عليّ من أثر الخبر الذي سمعته قبل قليل، فبادرتُه قائلًا:
— «شفت حضرتك حكم إبراهيم عيسى؟»
رفع رأسه متعجبًا:
— «حكم إيه؟»
قلتُ:
— «حكموا عليه بسنة حبس في قضية إهانة رئيس الجمهورية».
في لحظةٍ واحدة تبدلت ملامحه؛ انطفأت ابتسامته وتسرب التوتر إلى وجهه في صمتٍ ثقيل وظل يفكر لثوانٍ بدت أطول من الزمن نفسه ثم مدّ يده إلى ذلك الهاتف الأخضر الراقد إلى جواره، وسط مجموعة من الهواتف البيضاء المصطفة فوق المكتب في نظامٍ صارم.
رفع السماعة وقال بصوتٍ خافت لكنه حاسم:
— «ما يطلعش نفس».
أدركتُ وقتها أنه يتصل بالرئيس شخصيًا عبر شبكة الـBBX الرباعية فآثرتُ الصمت الكامل وكأن الهواء نفسه صار يتحرك بحذر داخل الغرفة وكان يكلم الوئيد في همس واحترام ولم اسمع سوي كلمات متناثرة كان ملخصها العفو ثم العفو ثم العفو ؛ وما سمعته جلياً كانت تلك الجملة :
- يا ريس انت اب لكل المصريين وهو في النهاية من ولادك ..
انتهت المكالمة وكان وجه الوزير شاحباً فيما يبدو ان الوئيد قد رفض النصيحة ؛ وانهي معي المقابلة وحذرني :
- لو كلمة طلعت منك بره انت عارف
وعدته وأوفيت ومشيت ..
وفي فترة المغربية وتحديدا في نشرة راس الساعة سمعت خبر عفو الوئيد مبارك عن إبراهيم عيسيً؛ وفهمت وقتها ان الرئيس فكَّر في نصيحة الوزير وعمل بها ..