عاجل

إيران مقابل تايوان.. هل يمكن إعادة رسم خرائط النفوذ بين الصين أمريكا؟|خاص

الرئيس الأمريكي دونالد
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع نظيره الصيني

في مشهد دولي تتشابك فيه خطوط السياسة مع الاقتصاد، وتتعقد فيه حسابات القوة بين الشرق والغرب، يطفو على السطح جدل جديد حول طبيعة العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، وحدود النفوذ المتبادل في ملفات شديدة الحساسية، أبرزها إيران وتايوان.

فبينما تتزايد التساؤلات حول إمكانية إعادة ترتيب أوراق النفوذ بين بكين وواشنطن، يطرح مراقبون سيناريوهات تبدو أقرب إلى “المعادلات الصفرية”، تقوم على فكرة المقايضة السياسية بين ملفات إقليمية ودولية معقدة

أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، أستاذ العلوم السياسية، أن احتمالية تخلي الصين عن دعمها المباشر وغير المباشر لإيران مقابل تراجع الولايات المتحدة عن دعم تايوان، عقب زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين، تظل سيناريو شديد التعقيد وصعب التحقق على أرض الواقع، في ظل تشابك المصالح الاستراتيجية بين القوى الكبرى.

وأوضح فرحات في تصريحات خاصة أن كلا من الملفين الإيراني والتايواني يرتبط باعتبارات تمس الأمن القومي والمكانة الدولية لكل من واشنطن وبكين، ما يجعل فكرة المقايضة السياسية المباشرة بين الطرفين غير واقعية في المرحلة الحالية.

الصين تنظر إلى إيران باعتبارها شريكًا مهمًا 

وأشار إلى أن الصين تنظر إلى إيران باعتبارها شريكًا مهمًا في تأمين احتياجاتها من الطاقة، إلى جانب دورها المحوري في تعزيز النفوذ الاقتصادي والسياسي الصيني في منطقة الشرق الأوسط، لافتًا إلى أن طهران تمثل عنصرًا مؤثرًا في مبادرة “الحزام والطريق” التي تعد أحد أهم المشاريع الاستراتيجية لبكين على المستوى العالمي.

وأضاف أن هذه الاعتبارات تجعل من الصعب على الصين التضحية بعلاقاتها مع إيران بصورة كاملة، حتى في ظل الضغوط الدولية أو محاولات إعادة ترتيب العلاقات مع الولايات المتحدة.

وشدد فرحات على أن الولايات المتحدة تعتبر تايوان جزءًا أساسيًا من استراتيجيتها لاحتواء الصعود الصيني، وأن أي تراجع أمريكي عن دعم الجزيرة سيمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا داخل السياسة الأمريكية، خاصة أن ملف تايوان يرتبط بشكل مباشر بموازين القوى في آسيا ومستقبل النفوذ الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

خفض حدة التوتر بين القوتين الكبريين

وأضاف أن التحركات السياسية الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وزيارته إلى الصين، تعكس وجود محاولات لخفض حدة التوتر بين القوتين الكبريين، خاصة في الملفات الاقتصادية والتجارية، لكنها لا تعني بالضرورة التوصل إلى صفقات كبرى قائمة على تبادل النفوذ أو التخلي عن الحلفاء، مشددًا على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق “المقايضة المباشرة”، وإنما تخضع لحسابات معقدة ترتبط بالمصالح الاستراتيجية والتحالفات الدولية وتوازنات القوى.

وأوضح أن الصين قد تتجه خلال الفترة المقبلة إلى إعادة ضبط مستوى دعمها لإيران وفقًا لتطورات الضغوط الدولية ومصالحها الاقتصادية، لكنها لن تصل إلى مرحلة التخلي الكامل عن طهران، كما أن واشنطن قد تعيد صياغة أسلوب دعمها لتايوان دون أن تتخلى عنها بصورة نهائية، وأن المرحلة الحالية تشهد إدارة دقيقة للصراع بين القوى الكبرى، في إطار الحفاظ على التوازنات الدولية، وليس الدخول في تسويات نهائية أو تنازلات استراتيجية حاسمة بين الولايات المتحدة والصين.

من جانبه أكد النائب ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل الديمقراطي وعضو مجلس الشيوخ، أن الحديث عن تخلي الصين عن دعمها لإيران مقابل تراجع الولايات المتحدة عن دعم تايوان لا يمكن النظر إليه باعتباره صفقة سياسية مباشرة أو سريعة، في ظل الطبيعة المعقدة للصراع الاستراتيجي القائم بين واشنطن وبكين على قيادة النظام الدولي.

وأوضح الشهابي في تصريحات خاصة لـ "نيوز رووم" أن الصين تعتبر إيران شريكًا مهمًا في منطقة الشرق الأوسط، سواء فيما يتعلق بتأمين احتياجات الطاقة أو ضمن مشروع “الحزام والطريق”، مشيرًا إلى أن بكين تدرك أن إضعاف إيران قد يؤدي إلى توسيع النفوذ الأمريكي في المنطقة، وهو ما لا يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.

ملف تايوان يمثل بالنسبة للصين قضية سيادة وأمن قومي

وأضاف أن ملف تايوان يمثل بالنسبة للصين قضية سيادة وأمن قومي، في حين تنظر إليه الولايات المتحدة باعتباره ورقة استراتيجية لاحتواء الصعود الصيني في آسيا، مؤكدًا أن واشنطن لن تتوقف بصورة كاملة عن دعم تايوان، حتى إذا شهدت العلاقات الأمريكية الصينية نوعًا من التهدئة المؤقتة خلال زيارة دونالد ترامب إلى الصين أو بعدها.

وأشار رئيس حزب الجيل الديمقراطي إلى أن السياسة الدولية والاقتصاد العالمي لا يُداران بمنطق المقايضة المباشرة، وإنما وفق شبكة معقدة من المصالح والتوازنات الدولية، لافتًا إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تفاهمات جزئية أو محاولات لتخفيف التوتر بين القوتين الكبريين، لكن دون الوصول إلى مرحلة التخلي الكامل عن الحلفاء أو أوراق النفوذ الرئيسية.

وشدد الشهابي على أن العالم يتجه تدريجيًا نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، موضحًا أن الصراع الأمريكي الصيني سيظل العامل الأكثر تأثيرًا في تشكيل ملامح السياسة الدولية خلال السنوات المقبلة، سواء على مستوى الشرق الأوسط أو آسيا أو الاقتصاد العالمي.

وفي سياق متصل قال الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، إن الحديث عن احتمالية تخلي الصين عن دعمها المباشر لإيران مقابل تفاهمات مع الولايات المتحدة بشأن تايوان يظل أمرًا بالغ الصعوبة، في ظل المصالح الاستراتيجية العميقة التي تربط بكين بطهران.

طبيعة النفط الأمريكي تختلف عن احتياجات الصين الصناعية والاستراتيجية

وأوضح الرقب أن التصريحات التي أدلي بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارته إلى الصين، والتي تتحدث عن حاجة بكين للنفط الأمريكي، تأتي في إطار الضغوط السياسية ومحاولات التأثير الإعلامي، مؤكدًا أن طبيعة النفط الأمريكي تختلف عن احتياجات الصين الصناعية والاستراتيجية.

وأشار في تصريحات خاصة إلى أن النفط الأمريكي يعد من أنواع النفط الخفيف، والذي يُستخدم بشكل أساسي في إنتاج البنزين، بينما تحتاج الصين إلى النفط الإيراني لما يحتويه من مكونات تدخل في صناعات واستخدامات متعددة تتجاوز مجرد إنتاج الوقود التقليدي، وهو ما يجعل من الصعب الاستغناء عن الإمدادات الإيرانية بسهولة.

وأضاف أستاذ العلوم السياسية أن الصين تدرك أهمية الحفاظ على علاقتها مع إيران، سواء من الناحية الاقتصادية أو الجيوسياسية، لافتًا إلى أن بكين لن تتخلى عن طهران بسهولة في مقابل أي صفقة تتعلق بملف تايوان.

الصين تمتلك قدرًا كبيرًا من المرونة والقدرة على المناورة السياسية

وأكد الرقب أن الصين تمتلك قدرًا كبيرًا من المرونة والقدرة على المناورة السياسية، وهو ما يجعلها قادرة على إدارة علاقتها مع الولايات المتحدة دون الانخراط في تفاهمات مباشرة قد تقيد مصالحها الاستراتيجية طويلة المدى، موضحًا أن المرحلة المقبلة قد تشهد تفاهمات محدودة تتعلق بملفات معينة، مثل الحفاظ على استقرار النظام الإيراني خلال فترات التوتر، أو ضمان استمرار تشغيل مضيق هرمز وعدم تعطيل حركة التجارة والطاقة العالمية، وهذه الملفات قد تكون محل نقاش بين القوى الكبرى.

ولفت إلى أن الصين ستحاول خلال الفترة المقبلة تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقتها الاستراتيجية مع إيران، باعتبارها إحدى الأوراق المهمة في توازنات الشرق الأوسط والصراع الدولي القائم بين بكين وواشنطن.

تم نسخ الرابط