التضخم والسيولة.. معركة قوية تحدد مستقبل أسعار الفائدة في اجتماع الخميس|خاص
في وقت تتزايد فيه الترقبات داخل الأوساط الاقتصادية بشأن قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري يوم الخميس المقبل، تبرز تحركات البنوك في السوق المحلي كمؤشر غير مباشر على ملامح المرحلة المقبلة.
فبين طرح أدوات ادخارية بعوائد مرتفعة وتغيرات محسوبة في سياسات الجذب والاحتفاظ بالسيولة، تتباين التقديرات حول الاتجاه الأقرب: هل يتجه البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة أم إعادة رفعها لمواجهة الضغوط التضخمية؟
أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير المصرفي، أن تحركات البنوك خلال الفترة الأخيرة تعطي مؤشرات مهمة بشأن اتجاه السياسة النقدية، موضحًا أن لجوء عدد من البنوك إلى طرح أدوات ادخارية بعوائد مرتفعة قد يعكس توجهًا نحو تثبيت أسعار الفائدة، وليس رفعها خلال الاجتماع المقبل للجنة السياسة النقدية.
مستقبل أسعار الفائدة
وأشار شوقي في تصريحات خاصة لـ "نيوز رووم" إلى أن قرار تثبيت أو تغيير أسعار الفائدة سيظل مرتبطًا بشكل أساسي بتطورات معدلات التضخم خلال شهر أبريل الجاري، موضحًا أن الاتجاه العام للقرار سيتحدد وفقًا لما إذا كانت معدلات التضخم ستواصل الارتفاع أو ستظل عند مستوياتها الحالية.
وأوضح الخبير المصرفي أن السياسات النقدية لا تُدار بمعزل عن باقي التوازنات الاقتصادية، وإنما تستهدف تحقيق حالة من التوازن بين عدة اعتبارات متشابكة، مؤكدًا أن رفع أسعار الفائدة بهدف احتواء الضغوط التضخمية يترتب عليه تأثيرات مباشرة ومزدوجة على الاقتصاد.
وأضاف أن أول هذه التأثيرات يتمثل في زيادة أعباء الدين على الموازنة العامة للدولة، وهو ما يمثل ضغطًا كبيرًا في ظل ارتفاع تكلفة خدمة الدين، بينما يتمثل التأثير الثاني في ارتفاع تكلفة التمويل على الشركات، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع هوامش أرباحها، مشيرًا إلى أن الشركات غالبًا ما تلجأ، في ظل ارتفاع تكلفة التمويل، إلى تمرير هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي، وهو ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع معدلات التضخم مرة أخرى، بما يتعارض مع الهدف الأساسي من رفع أسعار الفائدة.
الحفاظ على السيولة داخل الجهاز المصرفي من خلال تقديم عوائد
وشدد على أن رفع الفائدة، رغم أهميته في بعض الحالات من الناحية النقدية، يُستخدم أيضًا كأداة لتوفير عائد إيجابي حقيقي للمودعين، خاصة مع استحقاق عدد من الشهادات الادخارية، حيث تسعى البنوك إلى الحفاظ على السيولة داخل الجهاز المصرفي من خلال تقديم عوائد وحوافز مناسبة للعملاء.
وتابع أن البنوك كانت في فترات سابقة تعتمد على تقديم حوافز غير تقليدية، مثل الخدمات المصرفية والمزايا المختلفة، بدلًا من رفع أسعار الفائدة بصورة مباشرة، إلا أن ارتفاع معدلات التضخم جعل من الضروري الحفاظ على عائد حقيقي موجب على المدخرات.
وشدد الخبير المصرفي على أن الاعتماد على أدوات السياسة النقدية وحدها لمواجهة التضخم ليس كافيًا، موضحًا أن هذه السياسات تركز بصورة أكبر على الجانب النقدي، بينما يتطلب الأمر وجود دور موازٍ وفعّال للسياسات المالية والإنتاجية.
ومن جانبه أكد الدكتور عز الدين حسانين، الخبير المصرفي، أن اتجاه السياسة النقدية لدى البنك المركزي المصري في المرحلة الحالية يعكس حالة من التوازن الحذر بين مواجهة التضخم والحفاظ على استقرار النشاط الاقتصادي، مشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الضغوط التضخمية الحالية يعود إلى صدمات من جانب العرض وليس إلى زيادة في الطلب أو السيولة داخل السوق.
ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء وتكاليف النقل ومدخلات الإنتاج
وأوضح حسانين في تصريحات خاصة أن ارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء وتكاليف النقل ومدخلات الإنتاج يمثل العامل الأساسي في موجة التضخم الحالية، وهو ما يجعل أدوات السياسة النقدية التقليدية، وعلى رأسها رفع أسعار الفائدة، أقل فاعلية في التأثير على أسعار السلع الأساسية مثل الخبز والوقود، خاصة إذا كانت الزيادات مرتبطة بعوامل عالمية أو تكاليف إنتاج محلية مرتفعة.
وأضاف أن رفع أسعار الفائدة في هذه الحالة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يرفع تكلفة التمويل على الشركات والمصانع، وهو ما ينعكس بدوره على أسعار السلع النهائية للمستهلكين، ما قد يساهم في زيادة الضغوط التضخمية بدلًا من الحد منها.
وأشار الخبير المصرفي إلى أن السياسة النقدية تحتاج إلى فترة زمنية حتى تظهر آثارها الكاملة في الاقتصاد، موضحًا أن الزيادات الكبيرة السابقة في أسعار الفائدة ما زالت آثارها قيد التشكل داخل الأسواق، ما يدفع البنك المركزي إلى التريث ومراقبة النتائج قبل اتخاذ قرارات جديدة أكثر حدة.
وأكد أن الاقتصاد المصري يعتمد في المرحلة الحالية بشكل كبير على جذب التدفقات النقدية الأجنبية، خاصة عبر أدوات الدين الحكومية مثل أذون الخزانة والسندات، لافتًا إلى أن الحفاظ على “فائدة حقيقية موجبة” أي أن يكون سعر الفائدة أعلى من معدل التضخم يعد عنصرًا أساسيًا في جذب المستثمرين الأجانب ودعم استقرار سعر الصرف.
تشجيع المواطنين على الاحتفاظ بالمدخرات بالجنيه المصري
وأوضح أن استمرار مستويات الفائدة المرتفعة يساهم أيضًا في تشجيع المواطنين على الاحتفاظ بالمدخرات بالجنيه المصري بدلًا من الاتجاه إلى الدولار أو الذهب، وهو ما يدعم استقرار السيولة داخل الجهاز المصرفي.
وأضاف أن السياسة النقدية لا تتحرك بمعزل عن التطورات العالمية، مشيرًا إلى أن قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إلى جانب حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية وتقلبات أسعار الطاقة والغذاء، تفرض على البنك المركزي المصري نهجًا أكثر حذرًا، لتجنب أي نزوح مفاجئ لرؤوس الأموال الأجنبية.